إذًا أوّلًا نستطيع أن نضع الأستاذ محمّد قطب؛ لأنّه أوّلًا من المثقفين وأنا علّقت على المثقفين بما يكفي الآن حتى لا يُظنّ أن هذا من التصغير؛ لأنّ الثقافة في تاريخنا تعني التدقيق والاختيار العلمي الدقيق؛ لأنّها مأخوذة من الثقافة، وثقف الرمح أي تهيّأ للعمل. يعني اشتغل فيه صاحبه، جاء بالخشبة وحدّدها ووضع لها الحديدة وجعلها جاهزة لعملها، فهذه الثقافة. إذًا الثقافة التزام، الثقافة تدقيق، الثقافة رُقيّ. ومن ذلك كذلك كلمة الأدب. لمّا تقول الأدب، ما معنى الأدب؟ لأنّك لو أخرجتها من مفهوم الثقافة لوجدتها التزام، سلوك. فترى أنّ كلمة الثقافة هي كلمة تعني -يعني واحد يقول نجّر حالك، خليك منجّر. تُستخدم إلى الآن، يقول: والله"بدّك""تنجير"يا رجل. يعني"بدّه"تثقيف، يعني"بدّه"فارة تشتغل عليه، وشاكوش يضربه، وسكينة تحدّه. الثقافة هي كذلك. هي عملية إنتاج.
الأدب هي عملية تربوية؛ فعندما نتكلّم عن مثقّف لا ينبغي أن نستسهلها، علينا ألّا نستسهل هذه الكلمة في عرفنا العربي وفي عرف تاريخنا. والأستاذ الرافعي للذكر في كتابه (تاريخ الأدب العربي) عاد ملتقطًا استخدام القدماء لكلمة"الأديب". ارجعوا إلى المجلّد الأول، ومشهور كتابه الّذي أنتج منه جزأين قبل وفاته، وجُمع الجزء الثالث بعد وفاته، كان عبارة عن مجموعة أوراق في بيته، وأصدره تلميذه سعيد العريان. فهذا كتاب (تاريخ الأدب العربي) عندما طُلب من الجامعة المصرية مسابقة طلبت من المثقفين أن يكتبوا مسابقة في الأدب العربي له قصّة لا أريد أن أخوض فيها الآن. والقصد من هذا أنّه أعاد قراءة كلمة الأديب، وأنّها تعني في حسّ الأقدمين حالة من الرُقي النفسي، وحالة من الرُقيّ العقلي. وليست كما تُطلق اليوم! اليوم تُطلق على من يقرأ الجرائد يُقال له مثقّف! وتجده لا يعرف شيئًا في النحو ويُقال له مثقّف! وهذا كذب على هذه الكلمة وافتراء عليها.
فإذًا لما نقول نحن الأستاذ محمّد قطب نموذج للمثقّف هذه رفعة، كما في كلمة"الأستاذ". أنتم تعرفون أنّ من العلم الذي يُجهل أنّ أبا حامد الغزالي كان يتمنّى أن يُطلق عليه لقب"الأستاذ"؛ لأنّها كانت خاصة هذه الكلمة بالأئمة الكبار، كالأستاذ أبي إسحاق الإسفراييني. يعني"محدّث"تُطلق على الكثيرين،"الفقيه"تُطلق على الكثيرين، لكن كلمة"الأستاذ"في التاريخ الإسلامي تُطلق على القلّة. فكانت تُطلق مثلًا على أبي إسحاق الإسفراييني كما ذكرنا، وتُطلق على الماوردي. ولكن كان الغزالي مع أنه لُقّب بلقب اختصّ به في التاريخ الإسلامي وهو"حجّة الإسلام"كان يتمنّى أن يُطلق عليه أن يُطلق عليه لقب"الأستاذ". أنتم تعرفون هذه إذًا ليست على الصورة المبتذلة الّتي اليوم تُطلق عليها: أستاذ، مثقّف، أديب، إلى آخره. وكذلك