فهرس الكتاب

الصفحة 542 من 715

وهناك فقيه يمكن أن يتحدّث لك عن خلاف الفقهاء، هذه المسألة يقول الشافعي فيها كذا وهذه كذا ودليلهم كذا، ولكنه إذا سُئل عن الحديث لا يستطيع أن يجيب. وقد ذكر رسالةً من الرسائل المجيدة في تاريخنا: رسالة وجّهها البيهقي -رحمه الله- لأبي محمد الجويني والد أبي المعالي صاحب القياس وغيره؛ وذلك لأنّه أراد أن يكتب كتابًا موسعًا في الفقه الشافعي، وأوّل حديث استشهد به: نسبه للبخاري وهو موضوع! فقيه من أئمة الشافعية لا يعرف الفرق بين الحديث الّذي في البخاري وبين الحديث الموضوع! ووجّه البيهقي باعتباره محدثًا وجّه لأبي محمد الجويني يعني يذكّره بأنّ هذا الحديث موضوع، وهو حديث الماء المشمّس، فهو حديث موضوع. فيوجد فصام. كذلك في هذا العصر يوجد فصام بين المثقّف -أي المفكّر- وبين الفقيه.

فواقع الأمر أنت إذا أردت أن تقيّم الأستاذ محمّد قطب ما هو؟ هل هو فقيه؟ بمعنى أنّه يستطيع أن يذهب إلى كتب الفقه ويعرف أدلّتها، وقرأ في الحديث، ويعرف أصوله، ويستطيع أن ينظر في الأحاديث؟ الإنتاج لا يسعفنا بالجواب، وعدم الوجدان لا يدلّ على عدم الوجود. لكنّه لا شكّ أنّه في ثقافته الّتي يتحدّث بها في ألقها وفي صورتها تنبئ وتكشف أنّه كان فقيهًا. يعني لا يتحدّث عن مسائل الأحكام من فراغ، بل يتحدّث عن معرفة. مثلًا عندما يتحدث الأستاذ محمّد قطب عن الفرق، يتحدث عن المرجئة؛ فهذا يدلّ على أنّه يعرف الفرق، يعرف ما هو الإرجاء، يعرف ما هو الخارجية، يعرف الأصول الدقيقة.

لأنّ المرجئة في هذا العصر الّذي نعيش فيه ليسوا هم المرجئة الغلاة، وليسوا المرجئة الجهمية الّذين ذهبوا، بل عندنا هنا إرجاء دقيق، وهو أقرب ما يكون لإرجاء الفقهاء. وهذا لا يبصره بعض مشايخ الفقه ولا مشايخ العقيدة. يعني نتحدّث عن الشيخ ناصر الألباني -رحمه الله- بأنّه على هذه الطريقة، بأنّه على طريقة الإرجاء، وهو رجل مشهور في دعوته إلى الكتاب والسنة ودعوته إلى عقيدة السلف؛ ومع ذلك هو لا يميّز بين المرجئة وبين أهل السنة في بعض المسائل الدقيقة، كقوله بأن العمل هو شرط كمال وليس شرط صحّة، هذه من المسائل الدقيقة.

وهناك الكثير الآن ممن يزعم الانتساب للسلفية وللسنة لا يعرفون هذه العقائد. الأستاذ محّمد قطب دقيق في هذا، ومبصر لهذه المسألة؛ ومع ذلك إذا أردت أن تضعه من أصحاب البصيرة في موضوع الاعتقاد لوجدته أفهم ممن يتسمّى باسم الفقه أو يتسمى باسمه الداعية للعقيدة السلفية. لكنه على الجملة لو قيل هذا رأي للأستاذ محمّد قطب لعدّه الناس رأي مثقّف! ورأي المثقّف في المسائل الفقيهة لا يُطرح. حتّى يخرج شيخ له صورة معيّنة وهيئة معيّنة وبزّة معيّنة، وطريقة معيّنة ليتكلّم في الفقه فيُقبل منه قوله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت