ودخل في معامع الحروب والمعارك الثقافية والأدبية. كان مناصرًا للرافعي ضدّ المدرسة الأخرى، وله ردود شهيرة على سيّد قطب -رحمه الله- لمّا سيّد قطب شنَّ حربًا غير محترمة في فترة من فترات حياته قبل الالتزام ضدّ الرافعي بعد وفاته؛ ذلك لأنّ سيّد قطب كان من مدرسة العقّاد. وبين العقّاد وبين الرافعي بون شاسع، سواء كان في المدرسة أو في الالتزام. العقّاد المعروف عنه في الحقيقة أنّه كان ملحدًا لا يؤمن بدين، وكان يقيم صالونه الفكري يوم الجمعة، وقت صلاة الجمعة! كان هناك صالونات فكرية -وهي بدعة حسنة- في داخل البيوت للمثقّفين الأثرياء، فينشؤونها للحضور النقاش، ويصبح لها صدى واسع.
فكان صالون العقّاد يقوم وقت صلاة الجمعة! أي بديلًا عن صلاة الجمعة، ولم يكن ملتزمًا. وكان مصطفى صادق الرافعي يمثّل الصوت الإسلامي المجلجل في الحقيقة. فبعد وفاته قام -هذا فقط من أجل أن أصل إلى نقطة، ليس المقصود هذا، ولكن هذه هوامش تلقي بظلالها الحسنة على الفكرة نفسها-. فبعد وفاة الأستاذ الرافعي شنَّ سيّد قطب حربًا غير محترمة ضدّ الرافعي بعد وفاته؛ فالّذي انبرى له بصوت مجلجل في الحقيقة هو الشيخ علي الطنطاوي. الشيخ علي الطنطاوي كان يتأسّى ويتأسّف على أنّه عند الفقهاء يُعدّ مثقّفًا، وعند المثقّفين يُعدّ شيخًا فقيهًا؛ فهو المسكين ضاع بين بين، لم يقبله المثقّفون ولم يقبله الفقهاء فلم يُعرف. أين تريد أن تضع الأستاذ علي الطنطاوي؟ تقول أستاذ أم شيخ؟! فتضيع بينهما. فيمكن هذا أن يقع للمرء.
لماذا أقول هذا؟ لأنّ الأستاذ محمّد قطب -يعني هل تريد أن تأخذ هذه الشخصية وأن تقول هي شخصية المثقّف، والّتي هي في حسّ الناس رغم أنوفنا ورغم أن هذا فصام نكد بين المثقف والفقيه، بين المفكّر والفقيه؛ لأنّه لا يمكن أن ينتج المرء فكرًا إسلاميًا صحيحًا حتى يكون مثقّفًا، وحتى يكون كذلك فوق المثقّف: حتّى يكون فقيهًا. يعني المرء بعد الفقه وبعد فهمه لشريعة الإسلام ينتج فكرًا، ولا يمكن للمرء أن يكون مفكّرًا حتّى يكون فقيهًا؛ لأنّ الفقه هو الحدود التي تضبط حركة فكره، وإلّا بعد ذلك يخرج. فهذا فصام لكن موجود رغم أنوفنا والواقع يفرضه. كما وقع تاريخيًا الفصام بين المحدّث والفقيه، وهذه حالة تكلّم عنها العلماء. ابن الجوزي ذكرها، وذكر وجود الفصام في مقدّمة كتابه (الموضوعات) : الفصام بين الفقيه وبين المحدّث. صار هناك فقهاء ولكن لا يعرفون في الحديث! وكذلك تحدّث عن محدّثين ليس لهم خبرة بالفقه! والّذي تكلّم عنه ابن الجوزي تكلّم فيه كذلك ابن رجب، وكذلك تكلّم فيه أبو عمر بن عبد البر، وتكلّم فيه ابن القيم. فهذا فصام غير مقبول ولكنّه واقع. يعني موجود رغم أنوفنا، أنّ هناك رجلا له خبرة في الحديث فإذا سُئل في الفقه لا يفهم ولا يدري، يتحدث عن علل الحديث عن الرجال، عن تصحيح الأحاديث، لكن لو سُئل في حديث ماذا يقول فيه العلماء فقهًا، كيف اختلفوا فيه دراية، فلا يستطيع أن يجيب.