يطرح فكرًا صلبًا إسلاميًّا في مواجهة الجاهلية الغربية، ويطرح رؤى فكرية عملية لبناء المؤسسة الإسلامية، وهكذا نجد في مالك بن نبيّ طرحًا قويًا في إعادة صوغ العبارة الإسلامية صوغًا معاصرًا.
نجد في هؤلاء هذه الجوانب لكنّي لم أجد أحدًا بمثل هذا الجلاء والوضوح والعمق في بناء شخصية العابد لدى المجدّد والمغيّر. هذه قضية يجب أن تفهموها. كيف إذا دخل المرء بيته وأغلق عليه غرفة نومه كيف يكون شأنه مع ربّه، كيف يكون إخباته، كيف يكون دعاؤه، كيف تكون استغاثته بربه، ما هو مقدار حزبه من القرآن، ما هو مقدار حزبه من قيام الليل، ما هو مقدار حزبه من ذكر الله (التسبيح، الاستغفار .. ) ، يقول هذا هو مرجل الوقود والنار لحركة المسلم في تغيير الحياة.
هذه ميّزة يجب أن تقرؤوها في كتب أبي الحسن. وكتاب (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) من أعظم كتبه وكذلك ينافسه في هذه العظمة سلسلته في رجال الفكر والدعوة في الإسلام، لمّا تكلّم عن شيخ الإسلام بن تيمية لما تكلّم عن أحمد السرهندي لمّا تكلّم عن الغزالي، وهكذا لمّا تكلّم عن عمر بن عبد العزيز، ولمّا تكلّم عن هؤلاء المجدّدين التفت إلى هذا الألق في شخصية هؤلاء العلماء في تعبّدهم.
ولو رأيتم الشخصية الإسلامية -مع الأمانة والاعتبار-، الّتي أنتجها أبو الأعلى المودودي في الجماعة الإسلامية تجد نقصًا في هذا الجانب. وعندما ترى الشخصية الدعوية الّتي أنشأها حسن البنا ترى فيها ضعفًا في هذا الجانب. ترى فيها هذا الضعف، لكنّه ينتبه إلى هذه النقطة وأنا أعتقد بأنّها من دراسته ونظره وتأثّره بالأستاذ محمد يوسف الكاندهلوي رحمه الله. وهذه من الأمانة ينبغي أن نذكرها، وهي مهمّة جدًّا في عالم الغيب وما تعمل معه بمقدار ما تتقن وتهتدي مع الواقع وتتعامل معه. لا توكي فيوك الله عليك. كيف رُبط عالم الغيب بعالم الشهادة، بفعلك، بعلاقتك مع الله، باستغاثتك، كيف تُحلّ المشاكل بينك وبين نفسك وبينك وبين الله؟ كيف إذا غابت عنك قضيّة حللتها ليس بالنظر في الكتب فقط -وأنبّه على فقط- لكن كيف تحلّها كذلك بقرب صلتك مع الله. أبو الحسن الندوي إمام في طرح هذه القضايا.
هذه من ميّزات أبي الحسن. الميزة الثالثة بلا شكّ هي: الثقة بهذا الدين. هذه الميّزة تملأ نفسه. أبو الحسن الندوي لا يوجد فيه تأثّر بالجاهلية، مع قراءته الإنجليزية وقراءة الفلسفة الإنجليزية إلّا أنّ أبا الحسن لو فتّشت في كل كتبه لا تجد خطًا للجاهلية قد غزاه. تجد عند بعض المفكرين من ضعفت نفسه أمام الغرب تجد الجاهلية، ولكن أبو الحسن لا ترى شيئًا فيه من هذا الجانب قطّ، يريد الإسلام بكلّ معانيه.