الانهيار النفسيّ الذي أصاب أمّتنا أمام الحضارة الغربية كان انهيارًا نفسيًا. وأبو الحسن الندوي كان يعالج هذا الجانب؛ ليعيد الثقة. وهذا الكتاب ضمن هذه المعركة. ما الّذي يريده أبو الحسن من هذا الكتاب؟ يريد أن يقول بأنّه يجب على كل مسلم أن يشعر بعزّته، وأنّه مؤهل لقيادة العالم، وأنّ هذا العالم مع اتّساعه ومع انبهار النّاس بتقدّم الحضارة الغربية لا يصلح لقيادتهم إلّا الإسلام. وبالتّالي يجب أن نربّي كل مسلم على قيادة العالم، أنّك أنت سيّد هذا الكون وسيّد البشرية، وهذا هو مبعث بناء النبي - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه. هذه القضيّة كانت حاضرة في نفس أبي الحسن. ولذلك عامّة ما قام فيه من الكتب يدور على هذا الأمر.
هذا الأمر الأول. نحن لا نتحدّث الآن عن ماذا خسر العالم، نتحدث عن ميّزات كتبه. الأمر الثاني من الميّزات هي ميّزة وخصيصة لكتب أبي الحسن واقرؤوها كلّها وسأبيّن ما أُخذ عليها الآن، اقرؤوها كلّها مع اطمئنان نفس أنّها كتب رجل تربويّ.
الكثير ممّن يأتي إلى العلماء وإلى المجدّدين في تاريخ هذه الأمّة فيقرئونهم على أساس علمي، على أساس الشجاعة، على أساس قول الحق، على أساس إدراكهم لواقعهم، على أساس مصادمة البدع. أبو الحسن الندويّ اعتبر هذا،-انتبهوا فإنّ هذا أهمّ ما سيقال في هذه الجلسة-، لكن أهمّ ما أدركه أبو الحسن الندوي في بناء المسلم المؤهّل أو الذي ينبغي أن يكون مؤهلًا لقيادة العالم هو بناءه من جهة التعبد بينه وبين الله. وهذه عندما تقرأها للآخرين لا تراها بهذا الوضوح الّذي يطرحه بما سمّاه التزكية. فقد أُخذ عليه بعض ما أُخذ في كلامه على التزكية سنأتي إليه. لكنّ أبا الحسن الندويّ إنّما اهتمّ بهذه القضيّة.
ولذلك لمّا جاء إلى شخصياته التي اعتبرها قد جدّدت في التاريخ الإسلامي، اهتمّ بهذا البناء، كيفيّة دخول المرء لخلوته مع الله، وهذا في الحقيقة سرّ قرآني {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقْ} ، {يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ} ، {يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ قُمْ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا} . هذا هو بناء القرآن لهذا الداعية الّذي سيغيّر العالم. الداعية والعالم والقائد الّذي سيغيّر العالم ليس إنسانًا فكريًا فقط، وليس إنسانًا علميًا فقط، وليس إنسانًا يملك نفسية خاصّة فقط، هو إنسان عابد لربّه قبل كل شيء.
ولذلك يقول كلمة عظيمة: يقول خبرت هؤلاء الرجال الّذين غيّروا وجدّدوا هذا الدين وغيّروا مجتمعاتهم وأحدثوا لها الذات العظيمة في هذه الأمّة وجدت فيهم صفة جامعة لشخصياتهم، وهي قيام الليل.
هذا جانب لم يتحدّث عنه أحد. نرى مثلًا في الآخرين عظمة في طرح الجوانب الأخرى، الجوانب لبناء العقيدة وأثرها على النفوس، ونرى في سيّد رحمه الله كيف يجعل الإسلام حركة وكيف يجعل العقيدة صراعًا مع الجاهلية، نجد أبا الأعلى المودودي