فيه شخصية فذّة وشخصية آسرة لم ير مثلها في كل من قابله في قضيّة ذوبان هذه الشخصية في حياة الصحابة. وهو يستحقّ ذلك. الذين عاصروا محمد يوسف الكاندهلوي يثبتون له هذه المزيّة وهذا الهمّ ومات مبكرًا.
أبو الحسن الندوي كان معروفًا ببساطته على طريقة علماء الهنود. وهذه مزيّة علماء الهنود أنّ العلم -وهذه تكلمت عنها والآن أبني عليها-، وهو أنّ مؤسسة العلم في الهند بقيت مستقلّة في الدولة. ولذلك المساجد في القارة الهندية يعني في باكستان والهند وبنجلاديش، المساجد إلى الآن ما زالت أهلية. ربما أُمّمت بعض المساجد لكن المساجد إلى الآن أهلية، أي يديرها النّاس فهي ليست خاضعة للحكومة.
وهذه الخصلة وهي كون المؤسسة العلمية بعيدة وغير ذائبة مع مؤسسة الدولة؛ جعل للعلماء خصائص. ما يهمّني في هذه النقطة بعد خاصّية الاستقلال وغيرها هي خاصية الزهد. وأنا ذهبت إلى ديوبند ودخلت فيها ورأيت حياة العلماء الّذين نقرأ عنهم، سواء خالفناهم في منهجهم وفي طرقهم، لكنّهم على الجملة لا ينافسون الناس في دنياهم على الجملة. إلّا لمّا دخل مال النفط صار هناك فساد عظيم، وبدأ شراء الذمم والجامعات تقوم بحسب من يدفع إلى آخره، ولكن على الجملة المؤسسة الديوبندية بقيت مستقلّة.
ولذلك كان أبو الحسن في هذا إذا جلست معه، وأنا جلست معه أكثر من مرّة، ومع بساطته رجل بسيط في مظهره متواضع في هيئته ومحبّ للمسلمين جميعًا، هذه بعض خصائصه النفسية والشخصية.
وللذكر أبو الحسن الندويّ حسنيّ النسب. يعني ينتهي نسبه إلى الحسن بن علي -رضي الله تعالى عنه-. هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين هو أوّل ما كتب أبو الحسن. لكن ما الّذي يشغل ويملأ ذهن أبي الحسن الندوي؟ هو في الحقيقة هو في فترة صراع الهوية. ولم يعالج الهوية فكرًا كما عالجها الآخرون.
يعني مالك بن نبيّ عالج قضيّة الهويّة، أن نكون مسلمين أو أن نكون غربيّين، أو أن نجمع بين الإسلام وبين الغربية، من يغلب وكيف نوفق. هذه قضيّة كانت ضمن معركة القرن الماضي ومنتصفه. وهناك من شُغل بها فكرًا، وهناك من شُغل بها نفسيًا، وهذا أمر يجب أن تضعوا تحته ألف خطّ، وهو أنّ هناك كثيرًا من الأفكار لا تعالج من جهة صوابها الفكريّ أو عدم صوابها الفكري، لكنّها تُعالج من جهة النفس.