الصفحة 52 من 67

فهذه التربية التي اختص بها الأبوان رتبتها عظيمة، أولًا: تسببا في اجتماعهما في وجودك، فوجودك أثر بسببهما، والوجود أصل النعم وأساسها، ثم حملتك الأم في بطنها مدة الحمل، ووضعتك كرهًا ووهنًا على وهن، ثم غذَّتك بِدَرِّهَا، وباشرت حضانتك وملاحظتك، وإزالة الأضرار عنك، وعمل المصالح، وهي في ذلك مبسوطة ممنونة لما في ضميرها من الحنان والشفقة التي لا نظير لها إلا رحمة الله التي هي منها، وكم أَسْهَرْتَ ليلها وأَقْلَقْتَهَا.

والأب منذ كنت في بطن الأم وهو يُجري عليك النفقات، وبعد وضعك ضاعف ذلك. ولم تزل في تربيتهما البدنية والمالية، والإرشاد إلى مصالحك الدينية والدنيوية حتى اكتمل عقلك وقوتك، فوجب عليك من الحق العظيم لهما شيء كثير من القول الكريم، والإحسان المالي، والخدمة البدنية، والخضوع لهما، وطاعتهما في المعروف، والتوقير لهما، وكف الأذى اليسير والكثير، بالقول والفعل، والدعاء لهما، والشكر لهما، والثناء عليهما على ما أبديا نحوك من البر والتكريم، وقضاء حاجاتهما والدَّين الذي عليهما أحياءً وأمواتًا، وتنفيذ وصيتهما بعد موتهما، وإكرام صديقهما، وصلة الرحم التي لا رحم لك إلا من جهتهما، ليجتمع لك البر والصلة.

وحقوق الوالدين كثيرة، ولكن ضابطها: ما ذكره الله في كتابه؛ فإنه أمر بالإحسان إليهما، وذلك شامل لكل إحسان بجميع وجوهه، ويُرجع في ذلك إلى العُرف والعادة، فكل ما عدَّه الناس إحسانًا فهو داخل في الإحسان المأمور به.

فصل في حق الأولاد

وللأولاد على والديهم حقوق؛ فإنهم أمانات عندهم، وهم مسؤولون عنهم، فعليهم بسببهم.

جنسان من الواجبات:

أحدهما: القيام بالمؤنة البدنية، من نفقة، وكسوة، وما يتبع ذلك، فهو واجب لا بد منه، مع أنه من أفضل العبادات، وخصوصًا مع احتساب الثواب عند الله، فإنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها، حتى ما تجعله في فِي امرأتك، أي: وعيالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت