وعليهم أن ينتهزوا الفرصة في وجودهم، فيغترفوا من معين علمهم، ويسترشدوا بنورهم، ويعملوا جميع ما يقدرون عليه من الأسباب التي تريحهم وتفرغهم لما هم بصدده من مهماتهم التي هي أعظم المهمات على الإطلاق، من تعليم الطلبة المستعدين، والتجرد لهم، ومن إرشاد العوام، ومن الفتاوى الصادرة منهم والواردة عليهم، ومن استعدادهم للحكم في قضايا الخلق، وفصل خصوماتهم، إلى غير ذلك مما لا يُحصى مما هو متوقف عليهم. والناس مضطرون إليهم، وحقوقهم على وجه التفصيل لا يمكن عدُّها.
فصل في حقوق الأئمة
ثم بعد حقوق العلماء المعلمين المرشدين: يجب القيام بحق الأئمة، وخصوصًا الأئمة العادلين، من أمراء المسلمين، وملوكهم، وولاة أمرهم؛ فإن الله أمر بطاعتهم في قوله: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59] وهم العلماء والملوك. وقال صلى الله عليه وسلم: «ومن يطع الأمير فقد أطاعني» [1] .
ومن إجلال الله إجلال السلطان المُقْسِط، وهو أحد السبعة الذين يظلهم الله في ظله، يوم لا ظل إلا ظله، والملوك هم الذين إذا صلحوا صلحت الرعية، وإذا فسدوا فسدت الرعية، وبهم قيام الدين، والإلزام بجميع شعائر الدين، وإقامة الحدود، وردع المفسدين، وبهم أَمِنَت السُبل.
لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل وكانَ أضْعَفُنَا نَهبًْا لأِقْوَانَا [2]
وبهم قام الجهاد، بالعلم، والحجة، والبرهان، وبالسلاح، والسيف، والسِّنان.
(1) - البخاري في الجهاد، باب: يقاتل من وراء الإمام ويُتقى به. حديث رقم: (2957) 6/ 116. ومسلم في الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية. حديث رقم: (1835) 3/ 1466 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(2) - البيت لابن المبارك رحمه الله، وهو في السير 8/ 414، وصدره: «لولا الأئمة ... » .