الصفحة 8 من 34

وأما قوله: {ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه يعصرون} [سورة يوسف: الآية 49] أي يحصل للناس فيه غيث مغيث , تعيد الأراضي خصبها , ويزول عنها جدبها , وذلك مأخوذ من تقييد السنين المجدبات بالسبع ; فدل هذا القيد على أنه يلي هذه السبع ما يزيل شدتها , ويرفع جدبها ; ومعلوم أن توالي سبع سنين مجدبات لا يبقي في الأرض من آثار الخضر والنوابت والزروع ونحوها لا قليلا ولا كثيرا , ولا يرفع هذا الجدب العظيم إلا غيث عظيم ; وهذا ظاهر جدا , أخذه من رؤيا الملك ومن العجب أن جميع التفاسير التي وقفت عليها لم يذكروا هذا المعنى , مع وضوحه , بل قالوا: لعل يوسف صلى الله عليه وسلم جاءه وحي خاص في هذا العام الذي فيه يغاث الناس وفيه يعصرون. والأمر لا يحتاج إلى ما ذكروه , بل هو ولله الحمد ظاهر من مفهوم العدد , وأيضا ظاهر من السياق. فإنه جعل هذا التعبير والتفسير توضيحا لرؤيا الملك. ثم اعلم أن رؤيا الملك وتعبير يوسف لها وتدبيره ذلك التدبير العجيب من رحمة الله العظيمة على يوسف وعلى الملك وعلى الناس. فلولا هذه الرؤيا وهذا التعبير والتدبير لهجمت على الناس السنون المجدبات قبل أن يعدوا لها عدتها فيقع الضرر الكبير على الأقطار المصرية , وعلى ما جاورها , فصار ذلك رحمة بهم وبغيرهم من الخلق. ألا ترى كيف شمل الجدب البلاد المصرية وشمل البلاد الشامية وفلسطين وغيرها حتى احتاجوا إلى الاكتيال من مصر , واحتاج يوسف أن يقدر للجميع , ويوزع عليهم توزيعا عادلا فيه الرفق بالجميع والإبقاء عليهم؟ وكان هذا العلم العظيم من يوسف هو السبب الأعظم في خروجه من السجن وتقريب الملك له من اختصاصه به وتمكينه من الأرض يتبوأ منها حيث يشاء , وهذا من إحسانه , والله لا يضيع أجر المحسنين. ومع هذا الفضل فضل الله أعظم من ذلك , يصيب برحمته من يشاء ممن يختاره , ويختص ويجمع له خير الدنيا والآخرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت