ومن فوائد هذه القصة أنه يتعين على الإنسان أن يعدل بين أولاده. وينبغي له إذا كان يحب أحدهم أكثر من غيره أن يخفي ذلك ما أمكنه , وأن لا يفضله بما يقتضيه الحب من إيثار بشيء من الأشياء , فإنه أقرب إلى صلاح الأولاد وبرهم به واتفاقهم فيما بينهم ; ولهذا لما ظهر لإخوة يوسف من محبة يعقوب الشديدة ليوسف وعدم صبره عنه وانشغاله به عنهم سعوا في أمر وخيم , وهو التفريق بينه وبين أبيه. فقالوا: {ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين اقتلوا يوسف أو اطرحوه أرضا يخل لكم وجه أبيكم وتكونوا من بعده قوما صالحين} [سورة يوسف: الآيتان 8 , 9] وهذا صريح جدا أن السبب الذي حملهم على ما فعلوا بيوسف من التفريق بينه وبين أبيه هو تميزه بالمحبة , خلاف ما ذكر كثير من المفسرين أن يوسف أخبرهم برؤياه - فحسدوه لذلك فإنه مناف للآية الكريمة , وسوء ظن بيوسف حيث استكتمه أبوه فقال: {يا بني لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا} [سورة يوسف: الآية 5] فيوسف أبر وأعقل من أن يخبرهم بها , ولكن كثير من الإسرائيليات تروج على كثير من الناس , مع أن أقل تأمل في النصوص الشرعية يعلمهم ببطلانها. والمقصود: أن الذي حمل إخوة يوسف على ما فعلوا هو تمييز يعقوب ليوسف , ومع هذا فلا يحل هذا الأمر الشنيع. وهم يعلمون أنه لا يحل لهم , ولكنهم قالوا: افعلوا هذا الجرم العظيم وتوبوا إلى الله بعده. فلهذا قالوا: {وتكونوا من بعده قوما صالحين} [سورة يوسف: الآية 9] وهذا لا يحل أن يواقع العبد الذنب بأي حالة يكون , ولو أضمر أنه سيتوب منه , فالذنب يجب اجتنابه فإذا وقع وجبت التوبة منه.