الصفحة 33 من 34

لما قص الله تعالى علينا هذه القصة العجيبة بتفاصيلها قال في آخرها: {ما كان حديثا يفترى ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل كل شيء وهدى ورحمة لقوم يؤمنون} [الآية 111] فنفى عن هذا القرآن الكذب والخطأ من جميع الوجوه , ووصفه بثلاث صفات , كل واحدة منها فيها أكبر برهان على أنه من عند الله , وأنه الحق الذي لا ريب فيه. الصفة الأولى: أنه تصديق الذي بين يديه أي من الكتب المنزلة من السماء ومن كلام الرسل المعصومين الذي أوحى الله إليهم , كما قال تعالى: {بل جاء بالحق وصدق المرسلين} [سورة الصافات: الآية 37] فهذا القرآن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم جاء بالحق وهو الصدق في إخباره عن الله وعن ملائكته وعن اليوم الآخر , وعن جميع الغيوب السابقة واللاحقة , العدل في أحكامه , فلا يأمر إلا بخير ولا ينهى إلا عن الشر , كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا} [سورة الأنعام: الآية 115] صدقا في أخبارها عدلا في أحكامها وأوامرها ونواهيها. وأيضا , فإن هذا القرآن صدق جميع ما جاءت به الرسل وهيمن عليها , واتفق منها على الأصول العظيمة والشرائع الكبار العامة الشاملة ; وأيضا فإن الرسل أخبروا وبشروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فصدق مخبرها وحقت بشارتها. الصفة الثانية: أنه تفصيل لكل شيء , وهذا شامل لجميع ما يحتاجه الخلق في عقائدهم وأخلاقهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة , وفي دينهم ودنياهم , فقد شرح الله به وفصل التوحيد والرسالة والجزاء , وجميع العقائد الصادقة الصحيحة شرحا وتفصيلا عظيما لا يساويه في ذلك أي كتاب كان. وفصل فيه الحث على حقائق الإيمان , وعلى التخلق بالأخلاق الجميلة والتنزه من الأخلاق الرذيلة , وبين الطريق والأسباب التي يحصل حسنها والتي يدفع به سيئها ; كما فصل الشرائع الظاهرة والأعمال الصالحة والحلال والحرام والخير والشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت