الصفحة 32 من 34

إنما لم يصدق يعقوب بنيه حين قالوا: أكله الذئب , وعملوا تلك القرائن المبررة لقولهم لأن المعلوم لا يعارضه الشك والوهم , فإنه قد علم برؤيا يوسف , وربما بغيرها ما يؤول إليه حال يوسف من تمام النعمة التي تشمله وتشمل آل يعقوب ; وفيها أيضا أنه لا ينبغي أن يغتر بمجرد صورة القرائن. ولما أتي إلى شريح امرأة مع خصمها أرسلت عينيها بالبكاء فقال لشريح بعض الحاضرين: ما أظن البائسة إلا مظلومة. فقال شريح: ألم تسمع قصة إخوة يوسف إذ أتوا أباهم عشاء يبكون , هل كانوا مظلومين أو ظالمين؟ فكم حصل بمثل هذه التمويهات من الاغترار وقلب الحقائق. لهذا كان الأذكياء يجعلون كل احتمال على بالهم , وينظرون إلى الأمور من جميع جهاتها ونواحيها.

وتدل القصة على أن الولايات الكبار والصغار لا بد لمتوليها أن يكون كفوا في قوته وأمانته وعلمه بأمور الولاية , لأن الملك لما كلم يوسف ورأى من علمه وخبرته بالأمور وحسن نظره استخلصه لنفسه وقال: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [الآية 54] وقال يوسف: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [الآية 55] فعلل ذلك بكمال حفظه لما تحت يده وتصرفه , وكمال علمه بوجوه المستخرج والمنصرف , وحسن التدبير , وليس في هذا طلب الولاية ابتداء كما قاله كثير من أهل العلم , بل إنه لما رأى الملك استخلصه ومكنه من الأمور , وأن الأمور كلها تحت طوعه وتدبيره , طلب من الملك تولي خزائن الأرض , فقط لأنها أهم , ولأنه يعلم أن ولايته لها أنفع للملك وللخلق , وهذا من كمال نصحه وصدق نظره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت