هذا من جهة يعقوب وأولاده , أما من جهة يوسف فإنه قد علم وقصد التأخير ليبلغ الكتاب أجله , ولهذا تردد عليه إخوته وقد عرفهم ولم يعرفهم بنفسه , ولم يستدع بأبويه وأهله إلا في نهاية الأمر.
قوله تعالى عن يعقوب - في أول ما صنع أبناؤه بأخيهم يوسف: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون} [الآية 18] وقوله عندما اشتد به الأمر , حين احتبس الابن الآخر ,: {بل سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل عسى الله أن يأتيني بهم جميعا إنه هو العليم الحكيم} [الآية 83] في هذا دليل على أن أصفياء الله إذا نزلت بهم الكوارث والمصيبات قابلوها في أول الأمر بالصبر والاستعانة بالمولى , وعند ما ينتهي وتبلغ الشدة منهاها , يقابلونها بالصبر والطمع في الفرج والرجاء فيوفقهم الله للقيام بعبوديته في الحالتين ; ثم إذا كشف عنهم البلاء قابلوا ذلك بالشكر والثناء على الله وزيادة المعرفة بلطفه لقول يوسف: {يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي إن ربي لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم} [الآية 100] ومنها قوله تعالى: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} [الآية 79] يدل على أنه لا تزر وازرة وزر أخرى ; ويؤخذ منه مسألة دقيقة , وهو أن الإحسان إنما يكون إحسانا إذا لم يتضمن فعل محرم أو ترك واجب , فإنهم طلبوا من يوسف أن يحسن إليهم بترك هذا الأخ أن يذهب إلى أبيه ويأخذ أحدهم بدله ; فامتنع وقال: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون} [الآية 79] فالإحسان إذا تضمن ترك العدل كان ظلما , ولهذا كان تخصيص بعض الأولاد على بعض , وبعض الزوجات على بعض - وإن كان إحسانا إلى المخصص والمفضل - لا يجوز لأنه ترك للعدل , وكذلك ما أشبه ذلك , والله أعلم.