إذا قيل: كيف خفي موضع يوسف على يعقوب وما بينه وبينه إلا مسافة قليلة مع طول المدة وقوة الداعي الملح وعلمه أنه على الوجود وحرصه الشديد على لقياه؟ فالجواب: ليس ذلك بغريب على قدرة الله , فإن الأسباب , وإن قويت جدا , لا خروج لها عن قضاء الله وقدره ; فإن الله تعالى أراد ألا يحصل الاجتماع إلا في الوقت الذي أجله والحالة التي أرادها , لما له في ذلك من الحكم العظيمة , ومتى أراد الله شيئا في وقت مخصوص قدر من الأسباب الحسية أو المعنوية ما يمنع حصوله قبل ميقاته , كما يقدر من الأسباب ما يحصل به ما أراد ; فالأسباب بيد العزيز الحكيم. وليس هذا بأغرب من قضية بني إسرائيل في التيه , وهم أمة عظيمة , والتيه مسافة قصيرة , وهم بين أظهري قرى ومدن كثيرة. والمدة أربعون سنة , لم يهتدوا طريقا إلى مقصدهم , ولم يتيسر لهم من يرشدهم إلى قصدهم. وكذلك أصحاب الكهف مكثوا في كهفهم ثلثمائة وتسع سنين وهم في غار قريب من مدينة عظيمة لم يصل إليهم أحد في هذه المدة الطويلة لأمر يريده الله. فهذه الأمور وما أشبهها دليل على كمال قدرة الله وحكمته , مع أن يوسف صلى الله عليه وسلم بقي مدة الله علم بها وهو في بيت العزيز , ثم مدة وهو في السجن , ثم ترقى إلى تدبير الملك. ومتى يخطر ببال أحد أن ينتقل من الرق والسجن إلى الملك العظيم؟ ثم إنه وقت توليه يغلب على الظن أنه اشتهر عند الناس باسم المنصب والوزير للملك , ولا يكاد أحد يعرف اسمه , كما هو الغالب على الملوك وأشباههم , ولهذا تردد إخوته عليه فعرفهم وهم لا يعرفونه , لما هو فيه من بهجة الولاية ; وأيضا قد فارقوه وهو صغير ولم يروه إلا بعد ما كبر. ومعلوم أن أوصاف الإنسان تتغير إذا وصل إلى سن الكهولة , والله أعلم.