الصفحة 28 من 34

ومنها أن النظر إلى الغايات المحبوبة يهون المشاق المعترضة في وسائلها , فمتى علم العبد عاقبة الأمر وما يؤول إليه من خير الدنيا والآخرة هانت عليه المشقة , وتسلى بالغاية لقوله تعالى: {وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون} [الآية 15] فأوحى إلى يوسف في هذه الحال المزعجة أن الأمر سيكون إلى خير وسعة , وبعد هذه الإهانة الصادرة من إخوتك لك ستكون لك الأثرة عليهم والعاقبة الحميدة ; وفي هذا من اللطف والتسلية وتخفيف البلاء ما هو من أعظم نعم الله على العبد , ولهذا المعنى الجليل يذكر الله عباده عند المشاق والأمور المزعجة ما يترتب على ذلك من الثواب والخير والطمع في فضله. قال تعالى: {إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون} [سورة النساء: الآية 104] وقوله تعالى: {وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب} [الآية 15] دليل على رجوعهم كلهم إلى رأي من قال: {لا تقتلوا يوسف وألقوه في غيابة الجب} [الآية 10] كما أن قوله: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن} [الآيتان: 33 , 34] دليل على أن النسوة ساعدن امرأة العزيز على يوسف , وجعلن يغرينه بهذا العمل , فبعد ما رأين من جمال يوسف الباهر ما رأين أصبحن لامرأة العزيز مساعدات بعد أن كن قبل ذلك عاتبات عليها بقولهن: {امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا إنا لنراها في ضلال مبين} [الآية 30]

ومنها أن العقود تنعقد بما يدل عليها من قول وفعل , لا فرق بين عقود التبرعات وعقود المعاوضات , لأن يوسف صلى الله عليه وسلم ملك إخوته بضاعتهم التي اشتروا بها ميرتهم من حيث لا يشعرون , ولما فتحوا متاعهم وجدوا بضاعتهم في رحالهم , الآية , وذلك من دون إيجاب وقبول قولي , لأن الفعل والرضى يدل على ذلك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت