ومن فوائد القصة أن الجهل - كما يطلق على عدم العلم - فإنه يطلق على عدم الحلم , وعلى ارتكاب الذنب , لقوله تعالى: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [الآية 33] وقوله: {هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون} [الآية 89] ليس المعنى في ذلك عدم العلم وإنما هو عدم العمل به , واقتحام الذنوب , ومنه قول موسى صلى الله عليه وسلم: {أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين} [سورة البقرة: الآية 67] وقوله: {إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب} [سورة النساء: الآية 17] وكل من عصى الله فهو جاهل باعتبار عدم العمل بالعلم , لأن العلم الحقيقي ما زال الجهل به وأوجب العمل.
ومنها قوله تعالى: {ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم} [الآية 72] استدل به على ثلاثة أبواب من أبواب العلم: باب الجعالة , وباب الضمان , وباب الكفالة. لأن قوله: {ولمن جاء به حمل بعير} من نوع الجعالة , وهو أن يجعل شيئا معلوما أو مقاربا للمعلوم كحمل البعير , لأنه متعارف لمن يعمل له عملا معلوما وعملا مجهولا وهي جائزة لما فيها من مصلحة الجاعل والعامل , وقوله: {وأنا به زعيم} أي ضامن وكفيل , وهي من عقود التوثقة بالحقوق التي يتم بها توسيع المعاملات وإصلاحها.
ومنها: أن العمل بالشريعة فيه إصلاح الأرض والبلاد , واستقامة الأمور ; والعمل بالمعاصي من سرقة وغيرها فيها فساد ذلك. لقولهم: {تالله لقد علمتم ما جئنا لنفسد في الأرض وما كنا سارقين} [الآية 73] وكم في القرآن من التصريح أن العمل بالمعاصي ومخالفة الرسل فساد للأرض , ومتابعة الرسل هو الصلاح المطلق , صلاح الدين والدنيا.