الصفحة 23 من 34

وفيها أن شفاء الأمراض , كما يكون بالأدوية الحسية يكون بأسباب ربانية , بل يحصل بهذا النوع من أنواع الشفاء ما لا يحصل بغيره. فيعقوب عليه السلام , قد ابيضت عيناه من الحزن وذهب بصره , فجعل الله شفاءه وإبصاره بقميص يوسف حين ألقاه على وجهه , فارتد بصيرا لما كان فيه من رائحة يوسف الذي كان داء عينيه من حزنه عليه , فصار شفاؤه الوحيد مع لطف الله في قميص جسده. ومن قال: إن القميص من الجنة فليس عنده بذلك دليل , والله قادر على أن يشفيه من دون سبب , ولكنه حكيم , جعل الأمور تجري بأسباب ونظامات قد تهتدي العقول إلى معرفتها وقد لا تهتدي. ونظير ذلك أيوب صلى الله عليه وسلم ; وصل به المرض والضر إلى حالة تعذر منها الشفاء وأعيت الأطباء , فحيث أراد الله شفاءه أمره أن يركض برجله الأرض فأنبع له عينا باردة وأمره أن يشرب منها ويغتسل , فأذهب الله ما في باطنه وظاهره من هذا الضرر , وعاد كأحسن ما أنت راء. قال تعالى: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} [سورة ص: الآية 42] فهو تعالى يشفي العباد بأدوية وأسباب حسية وبأسباب ربانية معنوية: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو} [سورة الأنعام: الآية 17] كما أنه تعالى يوجد الأشياء بأسباب حسية معلومة وبأسباب ربانية لا تهتدي العقول إليها , كما في معجزات الأنبياء وكرامات الأولياء وآياته النفسية والكونية , وهو المحمود على هذا وعلى هذا.

ومنها جواز سؤال الخلق , خصوصا الملوك عند الضرورة لقول إخوة يوسف: {يا أيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مزجاة فأوف لنا الكيل وتصدق علينا إن الله يجزي المتصدقين} [الآية 88] فإنهم سألوا المحاباة في المعاملة والصدقة بدون عوض , وإنما قلت: خصوصا الملوك لأن الملوك لا يسألون من أموالهم الخاصة وإنما يسألون من بيت المال الذي هو للمصالح العمومية , وأهم المصالح دفع ضرورة المضطرين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت