ومنها ما في هذه القصة العظيمة من البراهين على رسالة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قصها على الوجه المطابق , وهو لم يقرأ من الكتب السابقة شيئا , ولا جالس من له معرفة بها , ولا تعلم من أحد , إن هو إلا وحي أوحاه الله إليه. ولهذا قال: {تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا} [سورة هود: الآية 49] كما ذكر الله هذا المعنى في قصته وغيره من الأنبياء , لأن الغيوب نوعان ; أمور سابقة قد اندرس علمها نبأه الله بها , وأمور مستقبلة قد نبأه الله بها قبل أن تقع , فوقعت , ولا تزال تقع شيئا بعد شيء مطابقة لما أخبر به صلى الله عليه وسلم في كتاب الله وفي سنة رسوله , وكلها براهين على رسالته.
وفي قوله تعالى: {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} [الآية 53] دليل على أن هذا وصف النفس من حيث هي , وأنها لا تخرج عن هذا الوصف إلا برحمة من الله وعناية منه , لأن النفس ظالمة جاهلة , والظلم والجهل لا يأتي منهما إلا كل شر , فإن رحم الله العبد ومن عليه بالعلم النافع وسلوك طريق العدل في أخلاقه وأعماله خرجت نفسه من هذا الوصف , وصارت مطمئنة إلى طاعة الله وذكره , ولم تأمر صاحبها إلا بالخير , ويكون مآلها إلى فضل الله وثوابه. قال تعالى: {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} [سورة الفجر: الآيات 27 - 30] فعلى العبد أن يسعى في إصلاح نفسه وإخراجها من هذا الوصف المذموم , وهو أنها أمارة بالسوء , وذلك بالاجتهاد وتخلقها بأحسن الأخلاق وسؤال الله على الدوام , وأن يكثر من الدعاء المأثور: اللهم اهدني لأحسن الأعمال والأخلاق , لا يهدي لأحسنها إلا أنت , واصرف عني سيئ الأعمال والأخلاق , لا يصرف عني سيئها إلا أنت.