ومنها فضيلة التقوى والصبر , وأن كل خير في الدنيا والآخرة فمن آثارهما , وأن عاقبة أهلهما أحسن العواقب , لقوله: {قد من الله علينا إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [الآية 90] وإن إخبار العبد من نفسه بحصول التقوى والصبر إذا كان صدقا وفي ذلك مصلحة من باب التحدث بنعمة الله. قال الله تعالى: {وأما بنعمة ربك فحدث} [سورة الضحى: الآية 11] تشمل نعم الدنيا ونعم الدين , وأن الله يجمع للمتقين بين خير الدنيا والآخرة , كما في هذه الآية والآية السابقة وهي قوله: {نصيب برحمتنا من نشاء ولا نضيع أجر المحسنين ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون} [الآيتان 56 , 57] وأنه ينبغي على العبد أن يتذكر في حال الرخاء والسرور حالة الحزن والشدة , ليزداد شكره وثناؤه على الله. ولهذا قال يوسف: {وقد أحسن بي إذ أخرجني من السجن وجاء بكم من البدو} [الآية 100]
ومنها أنه ينبغي للعبد أن يتضرع إلى الله دائما في تثبيت إيمانه , ويعمل الأسباب لذلك: يسأل الله حسن الخاتمة وتمام النعمة , ويتوسل بنعمه الحاصلة إلى ربه أن يتمها عليه , ويحسن له العاقبة , كما قال يوسف صلى الله عليه وسلم: {رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين} [الآية 101] وليس هذا من يوسف تمنيا للموت , كما ظنه بعضهم , بل هو دعاء لله أن يحسن خاتمته ويتوفاه على الإسلام , كما يسأل العبد ربه ذلك كل وقت
ومنها ما من الله به على يوسف من حسن عفوه عن إخوته , وأنه عفا عما مضى ووعد في المستقبل أن لا يثرب عليهم , ولا يذكر منه شيئا لأنه يجرحهم ويحزنهم وقد أبدوا الندامة التامة ولأجل هذا قال: {من بعد أن نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي} [الآية 100] ولم يقل: من بعد أن نزغهم , بل أضاف الفعل إلى الشيطان , الذي فرق بينه وبين إخوته. وهذا من كمال الفتوة وتمام المروءة.