الصفحة 18 من 34

ومنها استعمال المعاريض عند الحاجة إليها ; فإن في المعاريض مندوحة عن الكذب , وذلك من وجوه , منها قوله: {ثم استخرجها من وعاء أخيه} [الآية 75] ولم يقل سرقها ; وكذلك قوله: {معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده} [الآية 79] ولم يقل:"من سرق متاعنا". وإذا قيل: إن هذا اتهام للبريء. قيل: إنما فعل ذلك بإذن أخيه ورضاه ; وإذا رضي زال المحذور.

ومنها أن الإنسان لا يحل له أن يشهد إلا بما يعلم لقولهم: {وما شهدنا إلا بما علمنا} [الآية 81] وإن العلم يحصل بإقرار الإنسان على نفسه , وبوجود المسروق ونحوه معه وفي يده أو رحله. وفيها أن وجود المسروق بيد السارق بينة وقرينة على أنه السارق , ولذلك حكم وحكموا على أخي يوسف بحكم السارق.

ومنها هذه المحنة العظيمة التي امتحن الله بها نبيه وصفيه يعقوب عليه السلام , حيث قضى بالفراق , بينه وبين يوسف , هذه المدة الطويلة التي يغلب على الظن أنها تبلغ ثلاثين سنة فأكثر , من ذلك أنه بقي مدة في بيت العزيز قبل السجن في الإمكان أن تكون من سبع السنين إلى العشر أو نحو ذلك , على وجه الحرص والحزر , ثم مكث بضع سنين في السجن , والأكثر أنها سبع سنين , ثم بعد خروجه دخلت السبع السنين المخصبات , فهذه نحو إحدى وعشرين سنة , ثم دخلت السبع المجدبات وتردد إخوة يوسف إليه مرات , والظاهر أن اللقاء كان في آخرها , فهذه تقارب الثلاثين ونحوها ; وهو في هذه المدة لم يفارق الحزن قلبه , وهو دائم البكاء حتى ابيضت عيناه من الحزن وفقد بصره وهو صابر لأمر الله , محتسب الثواب عند الله , قد وعد من نفسه الصبر , ولا شك أنه وفى بذلك. ولا ينافي ذلك قوله: {إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} [الآية 86] فإن الشكوى إلى الله لا تنافي الصبر , وإنما ينافي الصبر الشكوى إلى المخلوق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت