الصفحة 17 من 34

ومنها أن استعمال الأسباب الواقية من العين أو غيرها غير ممنوع بل جائز , أو مستحب بحسب حاله , وإن كانت جميع الأمور بقضاء الله وقدره , لكن الأسباب الواقية أو الدامغة من قضاء الله وقدره , بشرط أن يفعلها العبد وهو معتمد على مسببها , لأن يعقوب عليه السلام حين أراد أن يوصي بنيه لما أرسل بنيامين معهم , قال: {يا بني لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة وما أغني عنكم من الله من شيء إن الحكم إلا لله عليه توكلت} [الآية 67] وأخبر تعالى أنهم امتثلوا أمر أبيهم , وأن هذا الأمر لم يغن شيئا إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها وهو شفقة الوالد على أولاده , والشريعة جاءت بإثبات الأسباب النافعة الدينية والدنيوية , والحث عليها , مع الاستعانة بالله , كما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله) .

ومنها جواز استعمال الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى حق من الحقوق الواجبة والمستحبة أو الجائزة , كما استعمل يوسف ذلك مع أخيه , حيث وضع السقاية في رحل أخيه , ثم أذن مؤذن بعد رحيلهم: {أيتها العير إنكم لسارقون} - إلى قوله - {فبدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ثم استخرجها من وعاء أخيه كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك} [الآيات: 70 - 75] فعمل مع أخيه هذا العمل ليتوصل به إلى بقائه عنده من غير شعور منهم. فلما تقرر عندهم أنه هو الذي أخذ الصواع استفتاهم عن حكم السارق في دينهم فقالوا: {جزاؤه من وجد في رحله فهو جزاؤه} [الآية 75] أي جزاء السارق أن يتملكه المسروق منه ; فحكموا على أنفسهم هذا الحكم الذي هو المقصود ليوسف. ولو أجرى عليه حكم ملك مصر لكان له حكم آخر. فيسر الله هذا العمل وهذا الحكم ليبقى أخوه عنده. فالحيل التي على هذا النوع لا حرج فيها وإنما المحرم الحيل والمكايد التي يتوصل بها إلى إحلال المحرمات أو إسقاط الواجبات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت