ومن ذلك أن يوسف صلى الله عليه وسلم جمع لهم بين تعبير رؤيا الملك وبين ما ينبغي لهم أن يفعلوه ويدبروه في سنين الخصب , للاستعداد لسنين الجدب ; وحين قال له الملك: {إنك اليوم لدينا مكين أمين} [الآية 54] أي تتمكن من أمور المملكة وتدابيرها , مفوض إليه الأمور لأمانته وكفاءته وكمال الثقة به , فالملك هو الذي ابتدأ توليته وتفويض الأمور إليه , وهو الذي اقترح أن يكون على خزائن الأرض وجبايتها وتصريفها لأجل عموم المصلحة , ولهذا قال: {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم} [الآية 55] أي أحفظ الحاصلات والغلات وأعلم كيفية تصريفها وتدبيرها , فحينئذ أعتني في سنين الخصب بالزروعات الهائلة وجباها في مخازنها , وفي سنبلها , وأجتهد في الاقتصاد في أكلهم أيام السنين الخصيبة لتتوفر الغلال ويكون لها النفع العام. فحين جاءت السنون المجدبات وعم الجدب للأقطار المصرية وما جاورها من الأقطار , وفني ما عند الناس جعلوا يقصدون مصر من كل جهة , جعل يكيل لهم كيل العدل والاقتصاد بحسب الحاجة , لا يزيد كل واحد على حمل البعير خوفا من ألا يحتاجه المحتكرون ويحصل الضرر على المحتاجين المعوزين. ولهذا من جملة ما عالج إخوة يوسف أباهم لإرسال بنيامين معهم أن قالوا: {ونزداد كيل بعير} [الآية 65] أي إذا كان معنا حصل لنا زيادة كيل بعير لأن عائلة يعقوب كثيرون , يحتاجون إلى ميرة كثيرة , فحصل لهذه الأعمال الجليلة على يد يوسف نفع للخلق عظيم , وإزالة ضرورات ودفع حاجات وتهوين للشدات والكربات.
ومنها مشروعية الضيافة , وأنها من سنن الرسل , وقررتها هذه الشريعة لقول يوسف: {ألا ترون أني أوفي الكيل وأنا خير المنزلين} [الآية 59]