الصفحة 14 من 34

ومنها أنه ينبغي للعبد أن يبعد عن أسباب الفتن , ويهرب منها عند وقوعها , كما فعل يوسف حين راودته امرأة العزيز. واعلم أن كثيرا من المفسرين ذكروا في تفسير البرهان الذي رآه يوسف حين اعتصم عن الفاحشة إسرائيليات تنافي العقل والدين , وتعافي ما عليه الرسل من الكمال حيث قال بعضهم: تبدى له جبريل في الهوى , أو تبدى له يعقوب عاضا على إبهاميه أو ما أشبه ذلك من الأمور , التي لو حصلت على أفجر الناس لامتنع من فجوره , فكلها باطلة. وكذلك من الأقوال الباطلة ما قاله بعضهم في قوله: {ولقد همت به وهم بها} [الآية 24] أي هم أن يضربها - وهذا تحريف ظاهر. وصاحب هذا القول أراد الفرار من الهم المعروف خشية أن يكون فيه نقص وتنقيص للأنبياء محذور في ذلك , فإن الهم والهوا ونحوها إذا قاومه العبد وقدم عليه الخوف والإيمان فهو كمال , كما قال تعالى: {ولمن خاف مقام ربه جنتان} [سورة الرحمن: الآية 46] . وكما ثبت في الصحيح مرفوعا: من هم بسيئة فلم يعملها كتبها الله حسنة كاملة - فإنه إنما تركها من جرائي , أي تركه لها لأجل الله خوفا من عقابه ورجاء لثوابه من أكبر العبادات والله أعلم.

ومنها ما عليه يوسف , صلوات الله عليه , من الجمال الظاهر الذي أخذ بلب امرأة العزيز وشغفها حبا. وحين رأته النسوة قطعن أيديهن وأكبرنه وقلن: {حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم} [الآية 31] ومن الجمال الباطن وهو العفة والإخلاص الكامل والصيانة.

ومنها أنه ينبغي للعبد أن يلتجئ إلى الله عند خوف الوقوع في فتن المعاصي والذنوب , مع الصبر والاجتهاد في البعد عنها , كما فعل يوسف ودعا ربه قال: {وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين} [الآية 33] وإن العبد لا حول له ولا قوة ولا عصمة إلا بالله , فالعبد مأمور بفعل المأمور وترك المحظور والصبر على المقدور مع الاستعانة بالملك الشكور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت