وأمّا من تدبر أوصافهم في الكتاب، والسنة الصحيحة الصريحة، وطبقه على الواقع، فإنه لا يشك، ولا يستريب، أنهم هؤلاء الأمم أو بعضهم. وأن ظهورهم على الوصف الذي وصفوا به في الكتاب والسنة من أعظم الآيات والأدلة على صدق ما جاء به محمد صلّى الله عليه وسلّم. وأن الأوصاف المذكورة في الكتاب والسنة الصحيحة منطبقة عليهم أشد الانطباق.
وسنذكر، إن شاء الله، من أدلة الكتاب، والسنة، وكلام المؤرخين الأولين، والآخرين، والمفسرين، ومن الأمور الواقعة، ما تعلم به حقيقة هذه المسألة، فهاك ذلك على وجه الاختصار:
الدليل الأول:
إخباره تعالى عن ذي القرنين حين بلغ مغارب الأرض
ومشارقها، ثم كرَّ راجعًا من المشرق إلى الشمال [1] ، فلما بلغ بين
السدين، وجد من دونهما، أي من دون السدين الموجودين منذ
خلق الله الأرض، وهما سلاسل الجبال المتواصلة يمنة ويسرة حتى تتصل بالبحار، كما قال ذلك غير واحدٍ من المؤرخين، ومنهم ابن كثير [2] في التاريخ [3] . وهو نص القرآن؛ فالسدان كانا موجودين قبل مجيء
ذي القرنين لأولئك القوم. ولكن بينهما فجوة، أي ريع [4] ، يتصل
(1) - ليس في خبر القرآن عن ذي القرنين التصريح بجهة «الشمال» . ولعل المؤلف استفاد ذلك من كلام بعض المؤرخين والمفسرين، كقول ابن كثير في تاريخه (ومَحَلَّته ـ أي السد ـ في شرقي الأرض، في جهة الشمال، في زاوية الأرض الشرقية الشمالية) البداية والنهاية 2/ 557.
(2) - إسماعيل بن عمر بن كثير، القرشي، الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين، حافظ، مؤرخ، فقيه، محدث. ولد سنة 701هـ في قرية من أعمال بصرى، ثم انتقل إلى دمشق، ورحل في طلب العلم. من تصانيفه: تفسير القرآن العظيم، البداية والنهاية، جامع المسانيد والسنن، شرح صحيح البخاري، ولم يكمله. توفي سنة 774. انظر: الأعلام: 1/ 320.
(3) - انظر: البداية والنهاية 2/ 549.
(4) - قال ابن منظور: (الرِّيع والرَّيع: الطريق المنفرج عن الجبل) لسان العرب: 5/ 392.