القاعدة الثامنة والستون
إيقاع العبادات، أو العقود أو غيرهما مع الشك في شرط صحتها، هل يجعلها كالمعلقة على تحقيق ذلك الشرط أم لا؟ هي نوعان:
أحدهما: ما يشترط فيه النية الجازمة، فلا يصح إيقاعه بهذا التردد ما لم يكن الشك ظنًا يكفي مثله في إيقاع العبادة، أو العقد كغلبة الظن بدخول الوقت، وطهارة الماء والثوب ونحو ذلك، ومن أمثلة ذلك ما إذا صلى يظن نفسه محدثًا فتبيَّن متطهرًا [1] .
والنوع الثاني: ما لا يحتاج إلى نية جازمة، فالصحيح: فيه الصحة، ومن أمثلته إذا نكحت امرأة المفقود قبل أن يجوز لها النكاح، ثم تبين أنه كان جائزًا ففي الصحة وجهان [2] .
(1) - فلا تصح صلاته.
ومن صور هذه المسألة أيضًا: لو توضأ من إناء مشتبه، ثم تبين أنه طاهر، لم تصح طهارته على المشهور من المذهب.
وقال القاضي أبو الحسين: يصح، وهو يرجع إلى أن الجزم بصحة الوضوء لا يشترط. (ينظر: المغني 1/ 85، ومطالب أولي النهى 1/ 52) .
ومنها: لو كان له مال حاضر وغائب، فأدى زكاة، ونوى أنها عن الغائب إن كان سالمًا، وإلا فتطوع، فبان سالمًا أجزأه.
وحكي عن أبي بكر: لا يجزئه؛ لأنه لم يخلص النية عن الفرض. (المغني 4/ 89) .
(2) - الوجه الأول: صحة عقد النكاح، وهو المذهب.
والوجه الثاني: عدم صحته. (الشرح الكبير مع الإنصاف 24/ 108 والمبدع 9/ 120) .
ومن صور المسألة أيضًا: لو كان عند رجل دنانير وديعة، فصارفه عليها وهو يجهل بقاءها، ففيه وجهان:
الأول: لا يصح، وهو قول القاضي في المجرد.
الثاني: أنه يصح، وهو قول ابن عقيل. (الشرح الكبير مع الإنصاف 12/ 124) .
ومنها: الرجعة في عقد نكاح شك في وقوع الطلاق فيه، قال أصحابنا: هي رجعة صحيحة رافعة للشك. (ينظر: كشاف القناع 5/ 332) .
ومنها: لو حكم حاكم في مسألة مختلف فيها، بما يرى أن الحق في غيره أثم وعصى في ذلك، ولم ينقض حكمه، إلا أن يكون مخالفًا لنص صريح، ذكره ابن أبي موسى.
وقال السامري: بل ينقض حكمه؛ لأن شرط صحة الحكم موافقة الاعتقاد. (المغني 14/ 34، والشرح الكبير مع الإنصاف 28/ 385) .
وللأصحاب وجهان فيما ينقض فيه حكم الجاهل والفاسق:
أحدهما: تنقض جميع أحكامه؛ لفقد أهليته، وهو قول أبي الخطاب وغيره.
الثاني: تنقض كلها إلا ما وافق الحق المنصوص، والمجمع عليه، وينقض ما وافق الاجتهاد؛ لأنه ليس من أهله، وهو اختيار ابن قدامة. (ينظر المصادر السابقة) .