وأما حالة النظير المساوي فإنَّ جُمهورَ مَنْ تعاشرهُم مِنَ الخَلقِ إذا خَالقْتَهم بالخُلُقِ الحَسنِ، اطمأنت نفسُك، وزالت عنك الهمومُ، لأنّك تكتسبُ بذلك مودَّتَهم، وتخمد عداوتهم، مع ما ترجوه من عظيمِ ثواب الله على هذه العِشْرةِ التي هي من أفضلِ العباداتِ، فإنَّ العْبدَ يبلغ بُحسْن خُلُقِه [1] ، درجةَ الصائمِ القائمِ. وحسنُ الخُلقِ له خَاصية في فرحِ النفس، لا يعرفُ ذلك حقّ معرفِته إلا المُجرِّبون .. فأين حالُ هذا مَّمن عاشَر النَّاسَ بأسوإ الأخلاق؟ فَخَيرُه ممنُوع، وشرُّه غيرُ مأمون، وليس له أقل صبر على ما ينالُه من المُكَدِّرات، فهذا قد تَنغَّصت عليه حياتُه، وحَضَرتهَ هُمومهُ وحَسَراتُه، فهو في عناءٍ حاضرٍ، ويخشى من الشَّقاء الآجلِ .. وأما معاشرتُه مع أهلِه وأولادِه ومن يتصل به فإنه يتأكد عليه القيامُ بالحقوق اللازمَةِ، تامة لا نَقْص فيها ولا تَبَرُّم، فمن عامل هؤلاء بما أمر الله ورسولهُ، راجيًا بقيامه به ثوابَ رَبِّه ورِضاه، عَاشَ معهم عِيشَةً راضِيةً، ومن كان معهم في نكدٍ وسوءِ خُلُقٍ مع الصَّغيرِ والكَبير، يخرجُ من بَيتِه غضبان ويدخُلُ على أهلِه وولدِه متكدِّرًا ملآن، فأَيُّ حياة لِمَنْ كَانَتْ هذه حاله؟ وما الذي يَرجْوُه حَيثُ ضيَّع مَا فيه فرحهُ ومسَّراتهُ؟ وأما عِشْرتهُ مع معَامِليه، فإن استعمل معهم النُّصْحَ والصِّدْق وكان سَمحًا إذا بَاعَ، سَمْحًا إذا اشْتَرى، سمحًا إذا قَضى، سمحًا إذا اقْتضَى - حصلت له الرَحْمَةُ، وفازَ بالشَّرَفِ والاعتِبارِ، واكتسبَ مودَّة معامِليه ودوامَ معاملتِهم، ولا يخفى ما في ذلك من طِيبِ الحياة، وسرور النَّفسِ، وما في ضِدَّها من سوء الحالِ وسقوطِ الشرفِ، وتنغصِ الحياةِ.
(1) "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسًا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقًا الموطئون أكنافا الذي يألفون ويُؤلفون". رواه الترمذي (صحيح الترمذي ج2 ص 196) .