وما وصفتُ لك من أحوالِهم - وأنت تعرفُ ذلك - قليلٌ من كثيرٍ فكيف ترضى أن يكون هؤلاء أحبابَك وأصدقاءك ترضى لرضاهم وتسخط لسخطِهم وتقدمهم على حظُوظِك الحقيقيةِ وسعادِتك الأبدية؟ فانظر إلى صفاتِهم نظرَ التحقيقِ والإنصافِ، وقارن بينهما وبين نُعوتِ البررةِ الأخيارِ. الذين امتلأتْ قلوبُهم من محبَّةِ الله والإنابةِ إليه والإيمانِ وإخلاصِ العمل لأجلهِ، وفَاضَت ألَسِنَتُهم بذكر الله والثَّناءِ عليه، واشتَغَلَت جَوارِحُهم في كُلِّ وسيلةٍ تُقرِّبهُم إلى الله وتُدنِيهم من رِضوانِه وثَوابِه ونفع الخلقِ، أَشجعُ النَّاس قُلوبًا وأصدقُهم قَولًا وأطهرُهم أخلاقًا وأزكاهم عملًا وأقربُهم إلى كُلِّ خير وأبعدُهم من كل شرٍ، يكُفُّون عن الخَلْقِ الأذى ويبذلون لهم ويَصبِرون منهم على الأذى، أَفَتقدِّمُ على هؤلاء الإنجاب الغُررَ مَنْ مُلِئتْ قُلُوبُهم من الشك والنفاقِ وفَاضَتْ على ظاهرهم، فاكتسبوا لذلك أرذلَ الأخلاقِ، يقومون بالنِّفاقِ والرِّياءِ ويقعدون بالتَّمَلُّقِ والإعجابِ والكبرياءِ، وصفهم القسوةُ والطمعُ والجشعُ، ونعتُهم الكذِبُ والغِشُّ والبَهرجةُ والخُنوعُ، قد منعوا إحسانَهم لكلِّ مخلوقٍ واتصفوا بُكلِّ فُسوقٍ، قد خضعوا في بحوثِهم العلميةِ لكُلِّ مَارِقٍ، وتبعوا في أخلاقِهم كُلَّ رذيلٍ وفاسقٍ؟
سعادة الدنيا والآخرة بالدين
قال المنصوح: والله ما تعديتَ في وصفِهم مثقالَ ذرةٍ، ولكني أريد أن تدلَّني على طريقٍ يجمع بين السعادِة الدنيويةِ [1] والسعادة الأخرويةِ، لأن نفوس من تربى وتخلق بأخلاقِ هؤلاءِ لا ترجِع عما ألِفَته إلا بأمر قوي: إما بِترغِيبٍ وهوى يجذبُها، وإما بترهيبٍ وخوفٍ يقمعُها.
(1) الإسلام جمع بين خيري الدنيا والآخرة وهو الدين الوحيد الذي حقق التوازن في كل شيء بين متطلبات الروح والعقل والجسد.