والعلم الثاني: أننا نتفكر فيها، ونستخرج منها المنافع المتنوعة، فإن الله سخَّرها لنا، وسلَّطَنا على استخراج جميع ما لنا فيها من المنافع والخيرات الدينية والدنيوية، فسخَّر لنا أرضها لنحرثها، ونزرعها، ونغرسها، ونستخرج معادنها وبركتها، وجعلها طوع علومنا وأعمالنا؛ لنستخرج منها الصناعات النافعة، فجميع فنون الصناعات ـ على كثرتها، وتنوعها، وتفوقها، لا سيما في هذه الأوقات ـ كل ذلك داخل في تسخيرها لنا. وقد عرفت الحاجة، بل الضرورة في هذه الأوقات إلى استنباط المنافع منها، وترقية الصنائع إلى ما لا حد له، وقد ظهر في هذه الأوقات من موادها وعناصرها أمور فيها فوائد عظيمة للخلق، وقد تقدم لنا في قاعدة اللازم: أن ما لا تتم به الأمور المطلوبة فهو مطلوب [1] . وهذا يدل على
أن تعلُّم الصناعات والمخترعات الحادثة من الأمور المطلوبة شرعًا، كما هي مطلوبة لازمة عقلًا، وأنها من الجهاد في سبيل الله، ومن علوم القرآن؛ فإن القرآن نبَّه العباد على أنه جعل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وأنه سخر لهم ما في الأرض، فعليهم أن يسعوا لتحصيل هذه المنافع من أقرب الطرق إلى تحصيلها، وهي معروفة بالتجارب، وهذا من آيات القرآن، وهو أكبر دليل على سعة علم الله، وحكمته، ورحمته بعباده؛ بأن أباح لهم جميع النعم، ويسَّر لهم الوصول إليها بطرق لا تزال تحدث وقتًا بعد وقت، وقد أخبر في عدة آيات أنه تذكرة يتذكر به العباد كل ما ينفعهم فيسلكونه، وما يضرهم فيتركونه، وأنه هداية لجميع المصالح.
القاعدة الرابعة والعشرون:
القرآن يرشد إلى التوسط والاعتدال في الأمور،
ويذم التقصير والغلو ومجاوزة الحد.
(1) - هكذا في الأصل. وقد جرى عليه تعديل ـ بغير خط المؤلف ـ وبه يستقيم المعنى، ونص العبارة بعد التعديل المشار إليه: «أن ما لا تتم الأمور المطلوبة إلا به فهو مطلوب» .