الصفحة 54 من 154

وهؤلاء الذين زعموا أنهم آلهة ينفعون ويدعون، لو اجتمعوا كلهم على خلق أضعف المخلوقات ـ وهو الذباب ـ لم يقدروا باجتماعهم على خلقه، فكيف ببعضهم؟ فكيف بفرد من مليات [1] الألوف منهم؟ وأبلغ من ذلك أن الذباب لو يسلبهم شيئًا لم يقدروا على استخلاصه منه ورده، فهل فوق هذا الضعف ضعف؟ وهل أعظم من هذا الغرور الذي وقع فيه المشرك شيء؟ وهو مع هذا الغرور، وهذا الوهن والضعف منقسم قلبه بين عدَّة آلهة، كالعبد الذي بين الشركاء المتشاكسين، لا يتمكن من إرضاء أحدهم دون الآخر، فهو معهم في شرٍّ دائم، وشقاء متراكم، فلو استحضر المشرك بعض هذه الأحوال الوخيمة لربأ بنفسه عما هو عليه، ولعلم أنه قد أضاع عقله ورأيه بعدما أضاع دينه. وأما الموحِّد فإنه خالص لربه، لا يعبد إلا

هو، ولا يرجو ويخشى إلا هو، وقد اطمأنَّ قلبه واستراح، وعلم أنه على الدين الحق، وأن عاقبته أحمد العواقب، ومآله الخير، والفلاح، والسعادة الأبدية، فهو في حياة طيبة، ويطمع في حياة أطيب منها.

(1) - هكذا في الأصل. وفي المطبوعة: مئات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت