الصفحة 53 من 154

وكذلك مثَّل الله كلمة التوحيد بالشجرة الطيبة التي تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، فكذلك شجرة التوحيد ثابتة بقلب صاحبها، معرفة، وتصديقًا، وإيمانًا، وإرادة لموجبها، وتؤتي أكلها وهو منافعها كل وقت، من النيَّات الطيبة، والأخلاق الزكية، والأعمال الصالحة، والهدي المستقيم، ونفع صاحبها، وانتفاع الناس به، وهي صاعدة إلى السماء؛ لإخلاص صاحبها، وعلمه، ويقينه.

ومثَّل الله الشرك والمشرك بأن من اتخذ مع الله إلهًا يتعزَّز به، ويزعم منه النفع، ودفع الضرر، في ضعفه ووهنه كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت، وأوهاها، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا إلى ضعفها!! كذلك

المشرك ما ازداد باتخاذه وليًا ونصيرًا من دون الله إلاَّ ضعفًا؛ لأن قلبه انقطع عن الله، ومن انقطع قلبه عن الله حله الضعف من كل وجه، وتعلقه بالمخلوق زاده وهنًا إلى وهنه؛ فإنه اتكل عليه، وظن منه حصول المنافع، فخاب ظنه، وانقطع أمله!!

وأما المؤمن فإنه قوي بالله بقوة إيمانه، وتوحيده، وتعلقه بالله وحده الذي بيده الأمر، والنفع، ودفع الضرر، وهو متصرِّف في أحواله كلها، كالعبد الذي على صراط مستقيم، في أقواله، وأفعاله، منطلق الإرادة، حرًا عن رق المخلوقين، غير مقيد لهم بوجه من الوجوه؛ بخلاف المشرك؛ فإنه كالعبد الأصم الأبكم، الذي هو كَلٌّ على مولاه، أينما يوجهه لا يأت بخير؛ لأن قلبه متقيد للمخلوقين، مُسْتَرقٌ لهم، ليس له انطلاق وتصرف في الخير، فمثله أيضًا كالذي خرَّ من السماء فَتَخَطَّفَتْه الطيور، ومزَّقته كل ممزَّق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت