الصفحة 52 من 154

اعلم أن القرآن الكريم احتوى على أعلى، وأكمل، وأنفع، المواضيع التي يحتاج الخلق إليها في جميع الأنواع؛ فقد احتوى على أحسن طرق التعليم، وإيصال المعاني إلى القلوب بأيسر شيء وأوضحه، فمن أنواع تعاليمه العالية: ضرب الأمثال، وهذا النوع يذكره الباري في الأمور المهمَّة، كالتوحيد، وحال الموحِّد، والشرك، وحالة أهله، والأعمال العامة الجليلة، ويقصد بذلك كله توضيح المعاني النافعة، وتمثيلها بالأمور المحسوسة؛ ليصير القلب كأنه يشاهد معانيها رأي عين. وهذا من عناية الباري بعباده،

ولطفه؛ فقد مثَّل الله الوحي والعلم الذي أنزله على رسوله في عدة آيات بالغيث والمطر النازل من السماء، وقلوب الناس بالأراضي والأودية، وأن عمل الوحي والعلم في القلوب كعمل الغيث والمطر في الأراضي، فمنها أراض طيبة تقبل الماء، وتنبت الكلأ والعشب الكثير، كمثل القلوب الفاهمة، التي تفهم عن الله ورسوله وحيه، وكلامه، وتعقله، وتعمل به: علمًا، وتعليمًا، بحسب حالها، كالأراضي بحسب حالها. ومنها أراض تمسك الماء ولا تنبت الكلأ، فينتفع الناس بالماء الذي تمسكه، فيشربون، ويسقون مواشيهم وأراضيهم، كالقلوب التي تحفظ الوحي من القرآن والسنة، وتلقيه إلى الأمة، ولكن ليس عندها من الدراية والمعرفة بمعانيه ما عند الأولين، وهؤلاء على خير، ولكنهم دون أولئك. ومنها أراض لا تمسك ماء، ولا تنبت كلأ، كمثل القلوب التي لا تنتفع بالوحي، لا علمًا، ولا حفظًا، ولا عملًا.

ومناسبة الأراضي للقلوب كما ترى في غاية الظهور. وأما مناسبة تشبيه الوحي بالغيث فكذلك؛ لأن الغيث فيه حياة الأرض، والعباد، وأرزاقهم الحسية. والوحي فيه حياة القلوب، والأرواح، ومادة أرزاقهم المعنوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت