الصفحة 55 من 154

ومثَّل الله الأعمال بالبساتين، فذكر العمل الكامل الخالص له، الذي لم يعرض له ما يفسده كبستان في أحسن المواضع وأعلاها، تنتابه الرياح النافعة، وقد ضَحَى وبرز للمشمس [1] ، وفي خلاله الأنهار الجارية المتدفقة، فإن لم تكن غزيرة فإنها كافية له، كالطَّلِّ الذي ينزل من السماء، ومع ذلك فأرضه أطيب الأراضي وأزكاها، فمع توفر هذه الشروط لا تسأل عما هو عليه من زهاء الأشجار، وطيب الظلال، ووفور الثمار، فصاحبه في نعيم ورغد متواصل، وهو آمن عن انقطاعه وتلفه، فإن كان هذا البستان لإنسان قد كبر وضعف عن العمل، وعنده عائلة ضعاف، لا مساعدة منهم ولا كفاءة، وقد اغتبط به حيث كان مادته، ومادة عائلته، ثم إنه جاءته آفة وإعصار أحرقه، وأتلفه عن آخره، فكيف تكون حسرة هذا المغرور؟ وكيف تكون مصيبته؟ وهذا هو الذي جاء بعد العمل بما يبطل عمله الصالح من الشرك، أو النفاق، أو المعاصي المحرقة، فيا ويحه بعد ما كان بستانه زاكيًا زاهيًا أصبح تالفًا، قد أيس من عوده، وبقي بحسرته مع عائلته!! فهذا من أحسن الأمثال وأنسبها، فقد ذكر الله صفة بستان من ثبته الله على الإيمان والعمل، وبستان من أبطل عمله بما ينافيه ويضاده. ويؤخذ من ذلك: أن الذي لم يوفق للإيمان ولا للعمل أصلًا، أنه ليس له بستان أصلًا.

ووجه تشبيه الأعمال بالبساتين: أن البساتين تمدها المياه، وطيب المحل، وحسن الموقع، فكذلك الأعمال، يمدها الوحي النازل لحياة

القلوب الطيبة، وقد جمع العامل جميع شروط قبول العمل، من الاجتهاد، والإخلاص، والمتابعة، فأثمر عمله كل زوج بهيج.

(1) - هكذا في الأصل. وفي المطبوعة: للشمس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت