الصفحة 121 من 154

قد دعا الله عباده إلى التفكر في هذه المخلوقات في آيات كثيرة، وأثنى على المتفكرين فيها، وأخبر أن فيها آيات وعبرًا، فينبغي لنا أن نسلك الطريق المنتج للمطلوب بأيسر ما يكون، وأوضح ما يكون، وحاصل ذلك على وجه الإجمال أننا إذا تفكرنا في هذا الكون العظيم عرفنا أنه لم يوجد بغير موجد، ولا أوجد نفسه، هذا أمر بديهي، فتيقنَّا أن الذي أوجده الأول الذي ليس قبله شيء، كامل القدرة، عظيم السلطان، واسع العلم، وأن إيجاد الآدميين في النشأة الثانية للجزاء أسهل من هذا بكثير: {لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ} [غافر: 57] وعرفنا بذلك أنه الحي القيوم، وإذا نظرنا ما فيها من الإحكام، والإتقان، والحسن، والإبداع، عرفنا بذلك كمال حكمة الله، وحسن خلقه، وسعة علمه، وإذا رأينا ما فيها من المنافع والمصالح الضرورية والكمالية التي لا تُعد ولا تُحصى عرفنا بذلك أن الله واسع الرحمة، عظيم الفضل، والبر، والإحسان، والجود، والامتنان، وإذا رأينا ما فيها من التخصيصات فإن ذلك دال على إرادة الله، ونفوذ مشيئته، ونعرف من ذلك كله أن من هذه أوصافه، وهذا شأنه، هو الذي لا يستحق العبادة إلا هو، وأنه المحبوب المحمود، ذو الجلال والإكرام، والأوصاف العظام، الذي لا تنبغي الرغبة والرهبة إلا إليه، ولا يُصرف خالص الدعاء إلا له، لا لغيره من المخلوقات المربوبات المفتقرات إلى الله في جميع شؤونها، ثم إذا نظرنا إليها من جهة أنها كلها خُلقت لمصالحنا، وأنها مسخرة لنا، وأن عناصرها، وموادها، وأرواحها، قد مكَّن الله الآدمي من استخراج أصناف المنافع منها، عرفنا أن هذه الاختراعات الجديدة في الأوقات الأخيرة من جملة المنافع التي خلقها الله لبني آدم فيها، فسلكنا بذلك كل طريق نقدر عليه في استخراج ما يُصلح أحوالنا منها بحسب القدرة، ولم نخلد إلى الكسل والبطالة، أو نضيف علم هذه الأمور واستخراجها إلى علوم باطلة بحجة أن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت