الصفحة 119 من 154

وأما آثار أعمال العبد فقد قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} أي: باشروا عمله {وَآثَارَهُمْ} [يس: 12] التي ترتبت على أعمالهم من خير وشر. وقال في المجاهدين: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [التوبة: 120] فكل هذه الأمور من آثار عملهم، ثم ذكر أعمالهم التي باشروها بقوله: {وَلاَ يُنْفِقُونَ نَفَقَةً} إلى آخر الآية [التوبة: 121] .

والأعمال التي هي من آثار عمله نوعان:

أحدهما: أن تقع بغير قصد من الإنسان، كأن يعمل أعمالًا صالحة خيرية فيقتدي به غيره في هذا الخير، فإن ذلك من آثار عمله، وكمن يتزوج بغير نية حصول الأولاد الصالحين، فيعطيه الله أولادًا صالحين، فإنه ينتفع بهم وبدعائهم.

والثاني: ـ وهو أشرف النوعين ـ أن يقع ذلك بقصده، كمن علَّم علمًا نافعًا، فنفس تعليمه ومباشرته له من أجلِّ الأعمال، ثم ما حصل من العلم والخير المترتب على ذلك فإنه من آثار عمله، وكمن يفعل الخير ليقتدي به الناس، أو يتزوج لأجل حصول الذرية الصالحين فيحصل مراده، فإن هذا من آثار عمله، وكذلك من يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، أو يباشر صناعة مما ينتفع بها الناس في أمور دينهم ودنياهم، وقد قصد بذلك حصول النفع، فما ترتب من نفع ديني أو دنيوي على هذا العمل فإنه من آثار عمله، وإن كان يأخذ على عمله الأخير أجرًا وعوضًا؛ فإن الله يُدخل بالسهم الواحد الجنة ثلاثة: صانعه، وراميه، والمُمِدّ له.

القاعدة السادسة والخمسون:

يرشد القرآن المسلمين إلى قيام جميع مصالحهم، وأنه إذا لم يمكن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت