وإن كانت صورته موجودة.
وذلك أن الله خلق الإنسان وركَّب فيه القوى من السمع، والبصر، والفؤاد، وغيرها؛ ليعرف ربه، ويقوم بحقه، فهذا المقصود منها، وبوجود
ما خُلقت له تكمل، ويكمل صاحبها، وبفقد ذلك يكون وجودها أضر على الإنسان من فقدها، فإنها حجة الله على عباده، ونعمته التي توجَد بها مصالح الدين والدنيا، فإما أن تكون نعمة تامة إذا اقترن بها مقصودها، أو تكون محنة وحجة على صاحبها إذا استعملها في غير ما خُلقت له؛ ولهذا كثيرًا ما ينفي الله تعالى هذه الأمور الثلاثة من أصناف الكفار والمنافقين، كقوله: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [البقرة: 171] {وَأَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103] {وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 37] وقال تعالى: {لَهُمْ قُلُوبٌ لاَ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَ يَسْمَعُونَ بِهَا} [الأعراف: 179] فأخبر أن صورها موجودة، ولكن فوائدها مفقودة، وقال تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] وقال تعالى: {إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلاَ تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ *} [النمل] والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًا، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا *} {أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا} [النساء: 150، 151] فأثبت لهم الكفر من كل وجه، فلم يكن دعواهم الإيمان ببعض من يقولون آمنا به من الكتب والرسل بموجب لهم الدخول بالإيمان؛ لأن إيمانهم بهم مفقودة فائدته حيث كذبوهم في رسالة محمد صلّى الله عليه وسلّم وغيره