وهذه القاعدة تبيِّن من لطف الله، وإحسانه بالعباد، وحكمته الواسعة، ما هو أثرٌ عظيم من آثار تعريفاته، ونفحة عظيمة من نفحاته، وأنه أرحم الراحمين، قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ *} [البقرة: 216] فبين تعالى أن هذه العبادة العظيمة لعظم مصلحتها، وكثرة فوائدها العامة والخاصة، أنه فرضها على العباد وإنْ شقَّت عليهم، وكرهتها نفوسهم، لما فيها من التعرض للأخطار، وتلف النفوس والأموال، ولكن هذه المشقات بالنسبة إلى ما تفضي إليه من الكرامات ليست بشيء، بل هي خير محض، وإحسان صِرف من الله على عباده حيث قيَّض لهم هذه العبادات التي توصلهم إلى منازل لولاها لم يكونوا واصليها. وقال تعالى: {إِنْ تَكُونُوا تَالَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَالَمُونَ كَمَا تَالَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ} [النساء: 104] وقال تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الأَمْوَالِ وَالأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ} إلى قوله [1] : {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ} {الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ *} الآية [البقرة: 155، 156] وقال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] فكلَّما عظمت مشقة الصبر في فعل الطاعات، وفي ترك المحرمات ـ لقوة الداعي إليها ـ وفي الصبر على المصيبات، كان الأجر أعظم، والثواب أكثر.
(1) - هكذا في الأصل، ولا يخفى أن هذا الجزء متصل بما قبله من الآية.