الصفحة 111 من 154

وأما دعاء العبادة: فهو التعبد لله تعالى بأسمائه الحسنى، فَيَفْهم أولًا معنى ذلك الاسم الكريم، ثم يديم استحضاره بقلبه، ويمتلئ قلبه منه، فالأسماء الدالة على العظمة، والجلال، والكبرياء، تملأ القلب تعظيمًا وإجلالًا لله تعالى، والأسماء الدالة على الرحمة، والفضل، والإحسان، تملأ القلب طمعًا في فضل الله، ورجاءً لرَوْحِهِ ورحمته، والأسماء الدالة على الوِدَادَ، والحب، والكمال، تملأ القلب محبة، ووِدَادًا، وتألهًا، وإنابة لله تعالى، والأسماء الدالة على سعة علمه، ولطيف خبره، توجب للعبد مراقبة الله تعالى والحياء منه.

وهذه الأحوال التي تتصف بها القلوب هي أكمل الأحوال، وأجل وصف يتصف به القلب وينصبغ به، ولا يزال العبد يمرِّن نفسه عليها حتى تنجذب دواعيه منقادة راغبة، وبهذه الأعمال القلبية تكمل الأعمال البدنية، فنسأل الله تعالى أن يملأ قلوبنا من معرفته، ومحبته، والإِنابة إليه، فإنه أكرم الأكرمين، وأجود الأجودين.

القاعدة الثانية والخمسون:

إذا وضح الحق وبان، لم يبق للمعارضة العلمية والعملية محل.

وهذه قاعدة شرعية عقلية فطرية، قد وردت في القرآن، وأرشد إليها في مواضع كثيرة؛ وذلك أنه من المعلوم أن محل المعارضات، وموضع الاستشكالات، وموضع التوقفات، ووقت المشاورات، إذا كان الشيء فيه اشتباه أو احتمالات فترد عليه هذه الأمور؛ لأنها الطريق إلى البيان والتوضيح، فأما إذا كان الشيء لا يحتمل إلا معنى واضحًا، وقد تعيَّنت المصلحة، فالمجادلة والمعارضة من باب العبث، والمعارِض هنا لا يُلتفت لاعتراضاته؛ لأنه يشبه المكابر المنكر للمحسوسات، قال تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ} [البقرة: 256] يعني: وإذا تبين هذا من هذا لم يبق للإكراه محل؛ لأن الإكراه إنما يكون على أمر فيه مصلحة خفية، فأما أمر قد اتضح أن مصالح الدارين مربوطة به، ومتعلِّقة به، فأي داع للإكراه، وأي موجب له؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت