الصفحة 109 من 154

وهذه قاعدة نافعة، فإن أكثر الناس إنما يتبادر لهم من لفظ الدعاء والدعوة دعاء المسألة فقط، ولا يظنون دخول جميع العبادات في الدعاء، ويدل على عموم ذلك قوله تعالى: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] أي: أستجب طلبكم، وأتقبَّل عملكم، ثم قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ} [غافر: 60] فسمَّى ذلك عبادة؛ وذلك لأن الداعي دعاء المسألة يطلب مسؤوله بلسان المقال، والعابد يطلب من ربه القَبول، والثواب، ومغفرة ذنوبه، بلسان الحال، فلو سألته ما قَصْدك بصلاتك، وصيامك، وحجك، وقيامك بحق الله، وحق الخلق؟ لكان قلب المؤمن ناطقًا: بأن قصدي من ذلك رضى ربي، ونيل ثوابه، والسلامة من عقابه؛ ولهذا كانت هذه النية شرطًا لصحة الأعمال وكمالها. وقال تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [غافر: 14] أي: أخلصوا له إذا طلبتم حوائجكم، وأخلصوا له أعمال البر والطاعة.

وقد يُقيد أحيانًا بدعاء الطلب، كقوله: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ *} [القمر: 10] وأما قوله: {وَإِذَا مَسَّ الإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا} [يونس: 12] فيدخل فيه دعاء الطلب؛ فإنه لا يزال ملحًا بلسانه، سائلًا دفع ضرورته، ويدخل فيه دعاء العبادة؛ فإن قلبه في هذه الحال

راجيًا [1] طامعًا [2] ، منقطعًا [3] عن غير الله، عالمًا [4] أنه لا يكشف السوء إلا الله، وهذا دعاء عبادة.

(1) - [1] ... ـ [2] ... ـ [3] ... ـ [3] ... هكذا في الأصل. والصواب: «راجٍ، طامع، منقطع عن غير الله، عالم أنه ... » .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت