وهذه القاعدة مطردة في جميع الأوامر القرآنية، أصولها وفروعها، فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أوتوا الكتاب آمِنُوا بما نزلنا} [النساء: 47] من القسم الأول، وقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا} [النساء: 136] من الثاني والثالث، فإنه أمرهم بما يصحِّح ويكمل إيمانهم من الأعمال الظاهرة، والباطنة، وكمال الإخلاص فيها، والنهي عما يفسدها وينقصها، وكذلك أمره للمؤمنين أن يقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ويصوموا رمضان، أمر بتكميل ذلك، والقيام بكل شرط ومكمل لذلك العمل، والنهي عن [1] كل مفسد ومنقص لذلك العمل، وكذلك أمره لهم بالتوكل والإنابة ونحوها من أعمال القلوب هو أمر بتحقيق ذلك، وإيجاد ما لم يوجد منه.
وبهذه القاعدة نفهم جواب الإيراد الذي يورد على طلب المؤمنين من ربهم الهداية إلى الصراط المستقيم، والله قد هداهم للإسلام، جوابه ما تضمَّنته هذه القاعدة، ولا يقال: هذا تحصيل للحاصل!! فافهم هذا الأصل الجليل النافع الذي يفتح لك من أبواب العلم كنوزًا، وهو في غاية اليسر والوضوح.
القاعدة السابعة والأربعون:
إذا كان سياق الآيات في أمور خاصة وأراد الله أن يحكم عليها،
وذلك الحكم لا يختص بها بل يشملها ويشمل غيرها، جاء الله
بالحكم العام
وهذه القاعدة من أسرار القرآن وبدائعه، وأكبر دليل على إحكامه وانتظامه العجيب، وأمثلة هذه القاعدة كثيرة منها: لما ذكر الله المنافقين وذمهم واستثنى منهم التائبين فقال: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} [النساء:146] فلما أراد الله أن يحكم لهم بالأجر لم يقل: وسوف يؤتيهم أجرًا عظيمًا، بل قال: {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] ليشملهم وغيرهم من كل مؤمن؛ ولئلا يُظن اختصاص الحكم بهم.
(1) - قوله: «عن» مكرَّر في الأصل.