وإذا فكر العبد في قوته , طعامه وشرابه , كيف يدخل من مدخل واحد ويستقر في موضع واحد , وهو المعدة , فيقيض الله له في ذلك الموضع من الحرارة والأسباب الأخر ما ينضجه ويتميز جوهره وصافيه ونافعه , فيتفرق في جميع أجزاء البدن لتغذيتها وتنميتها وما يبقى من الثفل , جعل له مخارج يخرج منها لئلا يبقى فيضر ويقتل ; ولا يزال هذا المعمل العظيم يعمل عمله بإذن الله ويؤدي مهماته: فهل هذا من مقتضى الطبيعة والمصادفة , كما يقوله الماديون , أم هذا تقدير العزيز العليم الذي أحسن كل شيء خلقه , وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ثم سواه ونفخ فيه من روحه وجعل له السمع والأبصار والأفئدة فتبارك الله أحسن الخالقين؟ وقد نبه الله على البعث بالتفكر في أطوار الإنسان وتنقلاته فقال: {يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج ذلك بأن الله هو الحق وأنه يحيي الموتى وأنه على كل شيء قدير وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور} [سورة الحج: الآيات 5 - 7] فجعل الله تنقل الإنسان في هذه الأطوار وإحياءه الأرض بعد موتها دليلا وبرهانا على هذه الأمور الخمسة التي يتميز بها المؤمنون ويثبتونها تصديقا لله ولرسله واستدلالا بهذه البراهين العقلية الحسية.