وقد أمر الله بالتفكر والتدبر في السماوات والأرض وما خلق الله من شيء , وحث على استعمال الفكر في آياته المخلوقة وفي آياته القرآنية: {قل انظروا ماذا في السماوات والأرض} [سورة يونس: الآية 101] {قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل} [سورة الروم: الآية 42] {كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب} [سورة ص: الآية 29] فقد أمر باستعمال العقل والفكر في آياته المخلوقة وفي آياته المتلوة ليدرك العبد بعقله ما في المخلوقات من المنافع والآيات فيفقهها , ويستعملها وينتفع بها بحسب أحوالها , وأخبر أنها آيات لقوم يؤمنون , ولقوم يعقلون , ولقوم يوقنون ; فأهل الإيمان والعقل الصحيح واليقين الصادق تفكروا فيها وانتفعوا وارتفعوا في الدنيا والآخرة: {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون} [سورة هود: الآية 101] فالذين لا ينتفعون بآيات الله إما رجل في غاية الجهل والضلال , قد حرم نعمة العقل والفهم , وإما رجل معاند مكابر قد غره عقله وذكاؤه , وتكبر عن آيات الله , فالعاقل الموفق كلما تفكر في الكون وفهم أسراره وحكمه امتلأ قلبه إيمانا ويقينا , وقال: سبحان الله عن أن يخلق شيئا عبثا أو سدى , وسبحانه أن تكون أفعاله البديعة خالية من الحكم والغايات الحميدة , وسبحان من خلق هذا الكون العجيب المحكم في نظامه واتساقه وارتباط بعضه ببعض ما بين أرضه وسمائه وإنسانه وحيوانه ونباته فعرف أن خالقها ومدبرها رب واحد وإله واحد فتوجه إليه بالإيمان والاعتراف والشكر والطاعة , وخضع لحكمته وعظمته وسلطانه , ولم يكن ككثير ممن انقطعوا بالمخلوقات عن خالقها , وبالمسببات عن مسببها , ولم ينفذوا في علمهم من السبب إلى المسبب , ومن الخلق إلى الخالق , كحالة أكبر الماديين القاصرين في علمهم وعقلهم , والعاقل يحمد الله على العافية من هذا الداء العضال الذي هلك فيه كثير من الخلق.