وقال الله تعالى: {قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى} [سورة طه: الآية 50] أي أعطى كل مخلوق خلقته اللائقة به , المناسبة لحاله , ثم بعد هذا الخلق هدى كل مخلوق لما خلق له ; وهذا يشمل أنواع الهدايات كلها: فالحيوانات غير الإنسان هدى كل صنف منه إلى ما يناسبه مما لا تتم حياته الحيوانية إلا به , من جلب المنافع الخاصة , ودفع المضار عن نفسه ; وأما الإنسان فهداه الله هذه الهداية , واختصه بهدايات أخر استكمل بها دينه ودنياه إذا استعملها كلها , وأما إذا استعملها في غير ما خلقت له فهذا قد استحب واختار العمى على الهدى. كما قال تعالى: {وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى} [سورة فصلت: الآية 17] وبهذه الهداية الخاصة بالإنسان سخر له جميع ما وصلت إليه قدرته من علوم الكون , وهذه الهداية تشمل الهداية المجملة والمفصلة في علوم الشرع وأعماله , وفي علوم الكون وأعماله , فعلمه العلوم الشرعية وهداه إلى معرفتها , ثم إلى العمل بها , وعلمه علوم الكون , ثم يسر له سبلها فسلكها , وكل أحد أعطاه من هذه الأمور ما هو اللائق به , وما تقتضيه حكمته التي منها إن عرف الأمور النافعة وحرص عليها وعلى اتباع الحق , واستعان الله عليها , يسرها عليه وفتح عليه منها بحسب حاله وقوته وكفاءته كما قال صلى الله عليه وسلم (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز) وهذا الحديث في الصحيح , فقوله (احرص على ما ينفعك) دخلت فيه الأمور الدينية والدنيوية , فمن حرص عليها واجتهد في تحصيلها وسلك الطرق الموصلة إليها واستعان الله عليها تم له ما أراد ; ومن لم يحرص على الأمور النافعة , أو لم يستعن بالله في تحصيلها , خاب وخسر. وقد أخبر الله في عدة آيات أن القرآن هدي للناس , وأنه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم , ويهدي للتي هي أقوم , فكل أمر فيه خير وصلاح ونفع فالقرآن يهدي إليه , ويرشد العباد إليه.