وأي ضلال أعظم من ضلال من آثر الهوى على الهدى والشقاء على السعادة والشر على الخير - وقال تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [سورة ق: الآية 37] وذلك أن العقل وحده لا يستقل بمعرفة الله , ولا يعرف عبادته وتفاصيلها , ولا تفاصيل يوم الآخر , حتى يهتدي بنور الوحي الذي أوحاه الله إلى رسوله , ويكون له قلب يجعل الأفكار والتصورات إرادات وهمما تحث صاحبها على اختيار النافع على الضار , والخير على الشر , والهدى على الضلال , والأخلاق الجميلة على ضدها , فالقلب الحي إذا نظر في الوحي , وتأمل ما جاء به الرسل من الحق في عقائده وأخلاقه وأعماله لم يؤثر على ذلك شيئا , فإنه يعلم أنه ليس بعد الحق إلا الضلال , فالتصورات والعلوم وحدها بلا قلب يتطلع إلى الخير والحق لا تكفي وحدها , بل قد يكون ضررها كثيرا لخلوها عن الإيمان , وخلوها عن التوجيهات الصحيحة , ولتكبر أهلها بها , كما قال الله عن أمثال هؤلاء: {وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [سورة الأحقاف: الآية 26] فجحدهم لآيات الله واستكبارهم عنها واستهزاؤهم - بها واحتقارهم لأهلها أوجب لهم فقد الانتفاع بأسماعهم وأبصارهم وأفئدتهم , فلم يزل هذا دأبهم حتى حق عليهم العقاب , فانظر كيف كانت علومهم التي لم تبن على الإيمان وإنما هي علوم جافة منحرفة صارت سببا لمعارضتهم الرسل , وبقائهم على ما هم عليه من الكفر والتكذيب بالحق ; فنعوذ بالله من علم لا ينفع.