وهذا النوع ـ وهو تخليص المضطرين ـ قد شاهدته الخليقةُ بأعينهم؛ ورأوا من الوقائع ما لا يعد ولا يحصى، وهذا يضطرهم إلى الاعترافِ بالله وبوحدانيته.
فانظر إلى حالة المضطرين إذا كَرَبَتهم الشدائد وأزعجتهم النوائبُ، كيف تجد قلوبَهم متعلقةً بالله، وألسنتَهم ملحةً في سؤاله، وأفئدتَهم متشرفةً لنواله؟؛ لا تلتفت عن الله يَمنةً ولا يَسرةً؛ لعلمها الضروريِّ أنه وحده كاشفُ الشدائد، فارج الكروب؛ لا ملجأَ للخليقة إلا إليه؛ ولا معوَّل لهم إلا عليه؟
فهل هذه الأمور إلا لأن الخليقةَ مفطورةٌ على الاعترافِ بوحدانية ربها، وأنه النافع الضارُّ، وأن ملكوتَ كلِّ شيء بيديه؟، وهل ينكرُ ذلك إلا من فَسَدت فطرتُه بالعقائدِ الفاسدة والإراداتِ السيئة؟
وانظر إلى فقرِ الخلائق إلى ربهم في كل شيء؛ فهم
فقراءُ إليه في الخلق والإيجاد، وفقراءُ إليه في البقاء والرزق والإمداد، وفقراءُ إليه في جَلْب جميع المنافع، وفقراءُ إليه في دفع المضار.
فهم يسألونه بلسانِ المقال ولسانِ الحال، فيعطيهم مطالبَهم، ويسعفُهم في كلِّ مآربهم؛ إن رغبوا لم يرغبوا إلا إليه، وإن مستهم الضراءُ لم يلجأوا إلا إليه.
فكم كشف الضرَّ والكروب، وكم جبر الكسيرَ ويسَّرَ المطلوب، وكم أغاث ملهوفًا، وكم أنقذ هالكًا، ففقرهم إليه في جميع الأحوال ظاهر مشاهد، وغناه عنهم لا ينكره إلا كلُّ مكابِر وجاحد.
[من الأدلة: إجابة الله للدعوات]
ومن براهينِ رُبوبيته ووحدانيته: إجابتُه للدعواتِ في كلِّ الأوقات، فلا يحصي الخلقُ ما يعطيه السائلين، وما يجيبُ به أدعيةَ الداعين، من بَرٍّ وفاجر، ومسلمٍ وكافر.
تحصلُ للعباد المطالبُ الكثيرة ولا يعرفون لها شيئًا من الأسباب سوى الدعاء، والطمع في فضل الله والرجاء لرحمته.
هذا برهانٌ مشاهدٌ في كلِّ الأوقات، لا ينكره إلا مباهت جاحد.
يدعونه في مطالب دينهم فيجيبهم، وفي مطالب دنياهم