وأخطر مسألة وقع فيها بنو إسرائيل هي هذا الخلط، وهذا التلبيس بين الحق والباطل، وقد حذرهم الله بقوله:"وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ"أي لا تخلطوا بينهما، أو بعبارة أخرى: لا تلبسوا الباطل ثوب الحق وتدعو إليه، ولا تلبسوا الحق ثوب الباطل وتنهوا عنه، فهذا التلبيس هو الذي أوقع بني إسرائيل في العمى والصمم، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا.
كون كله يخضع لسنن كونية دقيقة، نرى دقتها في كل شيء حولنا، من الذرة إلى المجرة، وكما أن السنن الكونية والقوانين الدقيقة يخضع لها الكون، كما هو مشاهد ومجرب؛ كذلك الصراع بين الحق والباطل يخضع لسنن ربانية، لا تتبدل ولا تتغير.
وهناك مستوى من الفساد لا محالة يستوجب الهلاك والعقوبة، وهناك مستوى من الصلاح، وكيفية من الصلاح لا محالة تتنزل معها نصرة الله، حتى لو تخلفت بعض السنن الكونية والأسباب القريبة.
شكر النعمة موجب لدوامها، وكفران النعمة موجب لزوالها، حتى مع أبسط الأسباب. ولك عبرة في صاحب الجنتين، الذي كفر بنعمة الله فأحيط بثمره، كذلك يمكن أن تبخل بالقليل من باب كفران النعمة؛ فتُحرم الكثير. ولك عبرة في قصة أصحاب الجنة، منعوا القليل من بستانهم للفقراء؛ فحرمهم الله البستان كاملًا.