والمصدر الثاني للثقافة الدينية للداعي هو السنة. فهي شارحة القرآن والمبينة له والمفصلة لما أجمل. وينبغي للداعي أن يوجه عناية خاصة للجزء العملي من السنة، وهو الذي يتعلق بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم، ويسجل مواقفه من شتى الأمور، وهديه في كافة شؤون الدين والدنيا.
ولا بد للداعي من قدر مناسب من الثقافة الفقهية، بحيث يعرف أهم الأحكام الشرعية في العبادات والمعاملات والآداب، وما لم يعرفه أو يستحضره يكون قادرًا على مراجعة حكمه في مصادره ومظانه الموثقة. وذلك مهم للداعي من عدة نواح ليستطيع أن يجيب السائلين عن الحلال والحرام وشئون العبادة والأسرة ونحوها، مما يكثر الناس السؤال عنه ويلجئون عادة إلى الدعاة يلتمسون منهم الفتوى في ذلك. فمن لم يكن متضلعًا من الفقه سكت أو تهرب، وفي ذلك إضعاف لموقفه وتأثيره، أو أفتاءه بغير علم.
ولا بد للداعي أن يلم بعلم أصول الفقه حتى يعرف الأدلة المتفق عليها بين فقهاء الأمة وهي الكتاب والسنة، والتي اتفق عليها جمهورهم وهي: الإجماع والقياس والتي اختلفوا فيها بعد ذلك بين مثبت وناف، ومضيق وموسع ومتوسط، وهي أدلة ما لا نص فيه، من الاستحسان، والاستصلاح، والاستصحاب، وشرع من قبلنا، وقول الصحابي، وما إلى ذلك مما تفرقت فيه وجهات النظر ..
وإذا كان الكتاب والسنة هما الأصلين والمصدرين الأساسين، فكيف تستنبط منهما الأحكام؟ ومن يجوز له الاستنباط أو يجب عليه؟ ومن يحل له التقليد أو يحرم عليه؟
هنا نجد مسائل كثيرة بعضها اتفقوا عليه وبعضها اختلفوا فيه ولكل وجهة هو موليها. ولا بد للداعي أن يعرف الراجح من المرجوح ليأخذ بالراجح، ويعذر الآخذين بالمرجوح، أو يقنعهم إذا استطاع.
ومن الثقافة اللازمة لمن نصب نفسه للدعوة: الثقافة التاريخية. فالتاريخ هو ذاكرة البشرية، وسجل أحداثها، وديوان عبرها، والشاهد العدل لها أو عليها. ويهمنا في ذلك تاريخ الإسلام والأمة الإسلامية خاصة، وتاريخ الإنسانية بصفة عامة، أعني المواقف الحاسمة منه، والملامح الرئيسية فيه، لأنه لا يتصور أن