الصفحة 45 من 129

ونعني بالثقافة الإسلامية: الثقافة التي محورها الإسلام: مصادره وأصوله وعلومه المتعلقة به، المنبثقة عنه. وهذا أمر منطقي؛ فإن الداعي الذي يدعو إلى الإسلام، لابد أن يعرف: ما الإسلام الذي يدعو الناس إليه؟ ولا بد أن تكون هذه المعرفة معرفة يقينية عميقة، لا سطحية مضطربة. ولهذا كان لا بد أن يستمد هذه المعرفة عن الإسلام من مصادره الأصلية ومن ينابيعه المصفاة، بعيدًا عن تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

وينبغي للداعي أن يحفظ من القرآن الكريم قدر ما يستطيع، بل يحسن بالداعي أن يحفظ القرآن كله ويستظهره، متى تيسرت له أسباب ذلك، ليكون أقدر على استحضاره، والاستشهاد به في كل مناسبة ممكنة، فالقرآن ذخيرة لا تنفذ، ومعين لا ينضب لإمداد الدعاة.

وعلى الداعي أن يعيش مع القرآن ليأخذ منه زادًا لقلبه، ويقبس منه نورًا لعقله، ويستمد منه ريًا لروحه، ثم يمد الآخرين بعد ذلك من فيض هذا الري.

ومما ينبغي للداعي أن يتحراه ويحرص عليه ويحكمه: حسن الاستدلال بالقرآن وآياته على ما يريد تقريره، أو تثبيته من أحكام وتعاليم وأفكار، فإنه إذا أحسن الاستدلال بالنص القرآني، ووضعه في موضعه، أزاح كل شبهة وقطع كل تعلة، وأخرص كل معارض، فلا دليل بعد القرآن، ولا كلام بعد كلام الله.

ومما يلزم الداعي معرفته: علوم القرآن، وهي بمثابة مدخل لا بد منه لدراسة القرآن ذاته. ولا ريب أن أهم علوم القرآن هو التفسير الذي يعين على فهم المراد من كلام الله تعالى بقدر الطاقة البشرية.

وينبغي للداعي الاهتمام بلباب التفسير والإعراض عن الحشو والفضول والاستطراد، الذي انتفخت به بطون كتب التفسير، من الاستغراق في المباحث اللفظية، أو المسائل النحوية والنكات البلاغية، والتطويل في المجادلات الكلامية، والخلافات الفقهية وغير ذلك من ألوان الثقافات التي شغلت حيزًا ضخمًا من كتب التفسير، حتى حجبت قارئها عن إدراك كلام الله تعالى، وهو الذي ألفت كتب التفسير من أجله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت