يدرس، الإنسان تاريخ البشر كافة، ولو كان متخصصًا ... .... فكيف بغير المتخصص.
والداعي يحتاج إلى أن يستشهد للمعاني والقيم التي يدعوا إليها بأحداث التاريخ، ومواقف الأبطال، وغير الأبطال، فهذا أعون على تثبيتها في العقول والقلوب، فإن الكلمات قد تنسى، ولكن الوقائع لا تنسى.
إن بعض جوانب التاريخ لها صلة وثيقة بعمل الداعي واهتماماته، وأعني الجانب العقلي أو الفكري في التاريخ، مثل تاريخ الأديان: نشأتها وتطورها، وأهم الشخصيات والوقائع المؤثرة في سيرها وما آلت إليه في النهاية. ومثل ذلك: تاريخ النحل والفرق ... تاريخ الفلسفات والمدارس الفكرية، تاريخ الحضارات الكبرى، ولا سيما الجانب الثقافي منها.
وعلى الداعي أن يهتم بربط الحوادث والوقائع ـ خصوصًا في تاريخنا الإسلامي ـ بأسبابها وعللها المعنوية والأخلاقية، فالذي يطالع تاريخنا بدقة يتأمل سيره بعمق، يجد أن المد والجزر، والامتداد والانكماش والنصر والهزيمة والازدهار والذبول، والغنى والفقر، كلها ترتبط بمقدار صلة الأمة بالإسلام أو انفصالها عنه، وقربها من تعاليمه أو بعدها عنها، وحسبنا أن نظرة عجلى إلى عصر الراشدين أو عصر عمر بن عبد العزيز أو عصر الرشيد أو نور الدين أو صلاح الدين، لنرى تمسكًا بالدين أو رجعة إليه، ونرى ثمارها عزًا وازدهارًا، والعكس بالعكس في عصور أو فترات أخرى.
وإذا كانت الثقافة الدينية لازمة للداعي في الدرجة الأولى، فإن الثقافة الأدبية واللغوية لازمة له كذلك، ولكن الأولى تلزمه لزوم المقاصد والغايات والثانية تلزمه لزوم الوسائل والأدوات.
واللغة، بمفرداتها ونحوها وصرفها، لازمة لسلامة اللسان، وصحة الأداء فضلًا عن حسن أثرها في السامع. بل صحة الفهم أيضًا، فالأخطاء اللغوية إن لم تحرف المعنى وتشوه المراد يمجها الطبع، وينفر منها السمع.