ولكل عبادة من العبادات زادها وأثرها الذي يغاير زاد وأثر العبادات الأخرى من بعض الجوانب بحيث يكمل بعضها بعضًا. وكما أنها تغطي جوانب شخصية المسلم فهي كذلك تغطي أيام حياته فنجد منها المتكرر يوميًا كالصلاة ومنها المتكرر شهرًا كل عام كالصوم ومنها ما يتم حسب الأحوال كالزكاة والحج حسب الاستطاعة والإمكان.
فالصلاة صلة بالله تعالى، صلة هذه النفخة فينا من روح الله بأصلها لتستمد منه الحياة والنماء. والصلاة قرب من الله وأنس بالله، وهي في خصوصيتها إذا أُديت كاملة، فإنها تغرس في نفس صاحبها ذل العبودية لله وحده وعزة المؤمن القريب من مولاه، فلا يتكبر على مسلم ولا يحقد على غيره لأنه غني بالله سبحانه [1] ، ونرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: وجعلت قرة عيني في الصلاة ونجده - صلى الله عليه وسلم - قوم بالليل ويستغرق في صلاته حتى تتورم قدماه دون أن يشعر بألم، فمن سما بروحه ومشاعره تضاءلت عنده متاعب الجسد وآلامه.
الصلاة مصدر متجدد للطاقة الروحية والزاد وقد توزعت أوقاتها على الليل والنهار لمواصلة التزود وتجديد الرصيد من الزاد وقد يسر الله أداءها حتى لا نحرم الزاد في كل الأحوال والأوقات في السلم والحرب في السفر والإقامة في الصحة والمرض وهذا من فضل الله علينا ورحمته بنا.
الصلاة زاد ولكنها في جوف الليل، وفي جوف الليل يزداد بها القرب والزاد والعطاء يحن العاشقون إلى الليل، والمتهجدون أشد حنينًا إليه فالذين آمنوا أشد حبًا لله والذين يسلكون طريق الدعوة أحوج ما يكونون إلى قيام الليل لما يعطيه من زاد. فقد وجه الله رسوله - صلى الله عليه وسلم - في الأيام الأولى للدعوة إلى قيام الليل، ليعده لتحمل أمانات الدعوة الثقيلة فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا) [2] .
(1) جمال احمد سيدو: تزكية النفس واثرها في الدعوة الى الله، ص 67.
(2) سورة المزمل: الآية 1 - 6.