الداعي أنه في مكانة أعلى ممن يدعوهم فيجعل حاجزًا هائلًا بينه وبينهم، إذ هو يرى رأيه فقط ولا يرى لهم رأيًا، ولا ينصاع للحق، ولا يتكلم إلا مع الوجهاء منهم ولا يتعامل إلا معهم، ولا يخدم نفسه بل يرى أنه من الواجب على المدعوين أن يخدموه، بل قد سيصل إلى الحد الذي يرى فيه نفسه من الناجين يوم القيامة وهم من الهالكين، ومن يدري؟! لعل العكس تمامًا قد يحدث فقد يدخل هو النار بسبب تكبره، كما يقول - صلى الله عليه وسلم - «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» [1]
ويقول أيضًا - صلى الله عليه وسلم: «إذا قال الرجل: هلك الناس، فهو أهلكهم» [2] ... وقد يدخلون الجنة لا لسبب إلا لتواضعهم، كما يقول تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [3] .
عندما سأل الله تعالى إبليس لعنه الله عن سبب امتناعه عن السجود لآدم علل ذلك بقوله (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) [4] .
فعبارة أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ تزكية لنفس قائلها وفيها معنى التكبر، فلا يليق بالداعي إلى الله أن يزكي نفسه ويفضلها على غيره أو أن يتكبر على إخوانه الدعاة قال تعالى (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) [5] ،وقال تعالى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ [6] .
ففي عبارة أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ مدخل للشيطان، وثغرة يتسلل منها إلى صفوف الجماعة لتفريقها وإشاعة الهوى فيها. وقد يحمله إحساسه بهذه الخيرية على التمرد على الجماعة وأوامرها والانشقاق عنها إذا لم يعط ما يريد من مسؤولية وإمرة وقيادة في الجماعة المسلمة. وفي افتخار إبليس لعنه الله بأصله بقوله (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ) وتكبره على آدم عليه السلام، درس للجماعة المسلمة للحذر من أن يتسرب إلى نفوسهم شيء من الفخر بأصلهم ونسبهم، لأن الإسلام يقرر على لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - (من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه) [7] ، ولأن قيمة الإنسان وقدره
(1) صحيح مسلم: كتاب الايمان، باب تحريم الكبر وبيانه 1/ 93، حديث (91) .
(2) صحيح مسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب النهي من قول هلك الناس، 4/ 2024، حديث (2623) .
(3) سورة القصص: الآية 83.
(4) سورة الاعراف: الآية 12.
(5) سورة النجم: الآية 32.
(6) سورة المائدة: الآية 54.
(7) البيهقي: شعب الايمان 2/ 261، حديث (1695) .